Skip to main content

الكتاب المعتبر في الحكمة — Page 192

Contributors:

P.192
والبعدية على قياس ما في الحركات الدورية على ما قلناه والكواكب والأفلاك تفعل بطبع لا يخالف الإرادة ويفعلون هؤلاء بإرادة لا يخالفها الطبع فتدخل الآثار الفلكية في بعض الأوقات والأحوال في أسباب الإرادات مثل ما يبرد الهواء في الشتاء فيتخذ له الانسان دفأ من النار والدثار بإرادته التي أوجبتها حال الهواء من جهة الحركة الفلكية ؛ فعلى هذا الوجه تدخل الحركات الفلكية في الأسباب الإرادية فلا تعم في سائر الأسباب ولا تخرج من جملة الأسباب وتكون الأسباب الاتفاقية دائمة الحدوث من جهة المصادفات في الحركات والادراكات فلا يشملها القضاء ولا يعمها القدر ولذلك يرى الناس ما ينكرونه في الحكمة من حرمان المستحقين الذين يعوضهم اللّه وملائكته في دنياهم أو في أخراهم عما حرموه من نعمه ومانا لهم من بؤس وشقاوة بغير استحقاق . وهذه الاتفاقيات انما تكون في عالم الكون والفساد الذي ليس له نسبة إلى ما في عالم الأزل بل هو أصغر وأقل وفي قليل من أحواله وما تحدث فيه وتتسبب بمعارضة الأسباب بعضها مع بعض على وجه لا يشعر به المعارض ولا المعارض كما تمثلنا به في الانسان والعقرب ، فالقائلون بعموم القضاء والقدر لسائر الأشياء هم بوجه ما مضا دون للقائلين بأنه لا يعلم الأشياء من جهة المسألة وبدايتها حيث يقول هؤلاء انه يعلم جميع الأشياء بها كلياتها وجزئياتها حاضراتها وغائباتها ويقدرها تقديرا في اجزائها وجزئياتها . ويقول أولئك انه لا يعلم شيئا سوى ذاته أو لا يعلم الجزئيات . واما من جهة الغاية المقصودة فيتفقان على فساد نظام الحكمة العملية والتدابير الانسانية من جهة اسقاطهما للثواب والعقاب فإنه كما أن الذي لا يعلم بافعال الفاعلين لا يثيبهم ولا يعاقبهم كذلك الذي يقضى ويقدر افعالهم ويخرجها عن رويتهم واختيارهم لا يثيبهم بها ولا يعاقبهم عليها ، فهذا هو الرأي المعتبر بعد التصفح والتأمل والنظر في القضاء والقدر . ولم نقف على قول قائل سبق إلى هذا الرأي ولم نسمع من الآراء سوى المذاهب التي ذكرناها وهي مذهب من يوجبه في الكل ومذهب من يسلبه عن الكل ومذهب من يرفعه عن بعض ويخص بذلك
الكتاب المعتبر في الحكمة — Page 192 | ابو البركات