فلما قل عدد العلماء والمتعلمين وقصرت الاعمار وقصرت الهمم وانقرض كثير من العلوم لقلة المتعلمين والناقلين اخذ العلماء في تدوين الكتب وتصنيفها لتنحفظ فيها العلوم وتنتقل من أهلها إلى أهلها في الأزمان المتبائنة والأماكن المتباعدة واستعملوا في كثير منها الغامض من العبارات والخفي من الإشارات اللذين يفهمهما أرباب الفطنة ويعرفهما الأكياس من أهل العلم صيانة منهم للعلوم عن غير أهلها .
فلما استمر الامر في تناقص العلماء وقلتهم في جيل بعد جيل اخذ المتأخرون في شرح ذلك العويص وايضاح ذلك الحفى ببسط وتفصيل وتكرار وتطويل حتى كثرت الكتب والتصانيف وخالط أهلها فيها كثير من غير أهلها واختلط فيها كلام الفضلاء المجودين بكلام الجهال المقصرين .
فلما قدر لي الاشتغال بالعلوم الحكمية بقراءة الكتب التي نقلت فيها عن المتقدمين والتفاسير والشروح والتصانيف التي شرحها وصنفها المتأخرون كنت « 1 » اقرأ كثيرا واكب عليه اكبابا طويلا حتى احصل منه علما قليلا لان كلام القدماء كان يصعب فهم كثير منه لاختصاره وقلة تحصيله ومحصوله واختلال عبارته في نقله من لغة إلى لغة وكلام المتأخرين لأجل طوله وبعد دليله عما يدل عليه وحجته عن محجته واعواز الشرح والبيان المحققين في كثير من المواضع اما للغموض واما للاعراض فيتعذر الفهم لأجل العبارة والشرح والعلم لأجل الدليل والبينة .
فكنت اجتهد بالفكر والنظر في تحصيل المعاني وفهمها والعلوم وتحقيقها فيوافق في شئ لبعض ويخالف في شئ آخر لبعض من القدماء في أقاويلهم وتحصل باشباع النظر في صحيفة الوجود من ذلك ما لم يقل أو لم ينقل وكان ذلك جميعه لا ينضبط بالحفظ بل يتعلق في أوراق استبقيتها للمراجعة والتحصيل فاطلع على تلك الأوراق من « 2 » رغب في تبييض مصنف منها فامتنعت عن ذلك لما قدر « 3 » من وقوعه إلى غير أهله ممن يقبل أو يرد ما فيه أو شيئا منه بجهل وقلة تأمل .
هامش
( 1 ) قط - وكنت
( 2 ) بها مش قط - يعنى - علاء الدولة
( 3 ) لا - يقدر -