التفسير : ظاهر هذا الكلام يدل على أنه لا معنى لكونه سبحانه عالما بالأشياء الا أنه مبدأ لوجودها . فأما أن يكون موصوفا بكونه عالما بها فلا . قوله : « لا أنه مجتمع الماهيات » إشارة إلى ما يجرى مجرى الاستدلال على ذلك . وتقريره أن يقال : العلم عبارة عن حصول ماهية المعلوم في ذات العالم ، فلو كان هو سبحانه عالما بالماهيات ، لاجتمعت ماهيات الأشياء في ذاته . وذلك محال لوجهين :
الأول : ان الماهيات غير متناهية . بدليل : أن أحد أنواع الماهيات ، الأعداد ، ولا نهاية لها . فلو كان تعالى عالما بالكل ، لحصلت في ذاته لا نهاية لها . وذلك محال .
والثاني : ان واجب الوجود لذاته واحد ، فتلك الصورة تكون ممكنة لذواتها . فيكون المؤثر لها هو ذات واجب الوجود ، والقابل لها أيضا هو تلك الذات ، فيلزم كون الذات الواحدة قابلة وفاعلة معا . وهو محال .
واعلم : أن هذا تصريح بأن اللّه تعالى لا يعلم شيئا . وهو خطأ عظيم ، ومقالة منكرة . فان هذا المذهب وان كان منقولا عن قدماء الأوائل ، الا أن الذي اتفق عليه المحققون منهم : أنه تعالى عالم بذاته ، وعالم بجميع الكليات . وكأن هذا القول الذي ذكره هنا رجوع إلى تلك المقالة المنكرة .
وأما قوله يلزم وقوع الكثرة في ذاته . فقد أجاب « الشيخ » عن هذا السؤال في كتاب « الإشارات » بأن قال : هذه الكثرة غير واقعة في الذات ، بل في توابع الذات ولوازمها . وذلك لا يقدح في وحدة الذات .
ونحن قررنا هذا الكلام في شرحنا لكتاب « الإشارات » بأن قلنا : الوحدة أبعد الأشياء عن الكثرة ، ثم إنها نصف الاثنين وثلث الثلاثة وربع الأربعة .
وهذا إلى ما لا نهاية له ، و ( لما ) لم يكن حصول الكثرة في هذه الأمور الخارجة قادحا في وحدة المعروض ، فكذا هنا . وأما قوله : يلزم كون الشئ الواحد قابلا وفاعلا معا . وهو محال . فنقول : لا نسلم أنه محال .
شرح عيون الحكمة — صفحة 120
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٢٠