في الأعيان ، عائد عليكم في الأذهان . بل نقول : ان من الناس من قال :
القول باثبات الكلى باطل . ويدل عليه وجوه :
الحجة الأولى : ان هذا الكلى اما أن يكون موجودا أو معدوما .
والقسمان باطلان فبطل القول بالكلى . انما قلنا : انه يمتنع أن يكون موجودا لأن كل ما كان موجودا ، فله تعين وتشخص . وكل ما كان كذلك فان يمتنع أن يكون كليا . لا يقال : لم قلتم : ان الموجود في الأذهان له تعين وتشخص ؟
لأنا نقول : قد ذكرنا أن الموجود في الأذهان موجود في الأعيان ، لان الموجود في الذهن صورة جزئية حالة في نفس جزئية شخصية . فتكون من جملة الموجودات في الأعيان ، فلا يختلف ذلك الكلام الذي ذكرناه ، سواء سميتموه بأنه موجود في الأذهان أو في الأعيان . وانما قلنا بأنه يمتنع أن يكون معدوما . لأن المعدوم نفى محض وعدم صرف ، فيمتنع كونه جزءا من أجزاء الماهية الموجودة ، أو يكون صفة من صفاتها .
الحجة الثانية : أن الكلى اما أن يكون موجودا في الأعيان ، أو في الأذهان . والقسمان باطلان . أما الأول فلما تقدم تقريره في الفصل المتقدم وأما الثاني فلأن الموجود في الأذهان صورة شخصية قائمة بنفس شخصية ، والموجودات في الأعيان قد كانت موجودة قبل حدوث هذه الصورة في هذه الصورة في هذه النفس ، وستبقى موجودة بعد زوال هذه الصورة عن هذه النفس . وما كان كذلك فإنه يمتنع كونه مقوم لماهية هذه الأشخاص الموجودة في الخارج . والعلم بذلك ضروري .
الحجة الثالثة : لو كانت الانسانية كلية ، لكان المتعين زائدا على الماهية . وذلك محال لأن التعين من حيث إنه تعين يكون أيضا صفة ماهية كلية ، فكان يجب افتقاره إلى تعين آخر . ويلزم التسلسل .
وهنا وجوه كثيرة في الاشكالات ذكرناها في الكتاب المسمى « المطالب العالية » إذا عرفت هذا فنقول : ان « الشيخ » شرع في هذا الموضع في بيان أن الصورة الذهنية ، كيف تكون كلية ، وذكر فيه وجهين :
شرح عيون الحكمة — صفحة 100
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٠٠