أما الأول فهو مثل : أن نبصر اللون بالبصر ، فحينئذ نعقل ماهية اللون من حيث إنها هي . ومثل أن نحس حرارة النار بجسمنا ، فحينئذ نعقل ماهية الحرارة من حيث إنها هي ، فهذا العلم يكون علما بالشيء ، من حيث حقيقته المخصوصة وماهيته المعينة . وهو أكمل درجات العلم بالشيء .
وأما الثاني فهو أنه إذا دل الدليل على أن العالم محدث ، وثبت أن كل محدث فله محدث . فههنا يقضى العقل بأن العالم له محدث ، ولكنه لا يعلم أن ماهية ذلك المحدث أي شئ هي ؟ « 13 » وأن حقيقته ما هي ؟ فهذا المحدث معلوم منه أنه محدث .
فأما أنه في ذاته المخصوصة ما هو ؟ فغير معلوم . وهذا العلم بكون علما بالشيء . لا من حيث حقيقته المخصوصة ، بل من حيث إن له صفة ما ، وعارضا ما وإذا عرفت هذه المقدمة فنقول : المسؤول عنه بما هو ؟
اما أن يكون بسيطا ، واما أن يكون مركبا .
فإن كان بسيطا فاما أن يكون طالبا للعلم الحقيقي التام ، أو العلم العرضي الناقص . فإن كان الأول فاما أن يكون من الأمور التي قد أدركها الانسان بأحد حواسه الخمس ، أو أن لم يكن كذلك ، لكنه وجد تلك الحقيقة في نفسه . مثل العلم بالألم واللذة والشهوة والغضب وسائر الأحوال النفسانية .
وإما أن يكون المسؤول عنه خارجا عن الأمور المدركة بالحواس وخارجا عن الأمور المدركة في النفس .
أما القسم الأول وهو أن يكون المسؤول عنه بما هو ؟ ماهية بسيطة مدركة بأحد الحواس الخمس فجوابه : أن يشار إلى تلك الكيفية . مثل :
انه إذا قيل ما الحرارة ؟ فجواب هذا السؤال أن يقال : انه الأمر الذي ندركه بحس اللمس عند مماسة جرم النار . وكذلك الجواب عن قوله :
هامش
( 13 ) أيش هي : ص - أي شئ .