تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
لان الفرح بكون النفس مترتبة بالقرب من اللّه تعالى فرح بغير اللّه فيكون المعشوق الأول بالذات أحوال نفسه وأما الاشتغال بالحق والانقطاع عن كل ما عداه على ما هو آخر مقامات السلوك إلى اللّه فهو الخلاص المطلق

( تنبيه [ إجمالي إلى جميع مقامات العارفين ]

العرفان مبتدئ من تفريق ونقض وترك ورفض ممعن في جمع ما هو جميع صفات الحق للذات المريد للصدق منته إلى الواحد ثم وقوف ) لقد وفق المصنف في هذا الفصل حتى جمع في هذه الالفاظ القليلة جميع مقامات السالكين إلى اللّه واعلم أن السالكين إلى اللّه تعالى لا بد وأن يتكلفوا الاعراض عن لذات الدنيا وشهواتها ولا يزالون في كلفة وتكلف من ذلك إلى أن يزول عن قلبهم حبها والميل إليها وهو الدرجة الثانية الا ان منتهى سعيهم وثمرة اجتهادهم الآن ليس الا محو ما سوى اللّه عن القلب ثم إذا شموا رائحة الانس بالله وابتهجوا بالنظر إلى جمال اللّه وجلاله تركوا الالتفات إلى هذه اللذات الدائرة بقوالبهم وقلوبهم وهذا هو الدرجة الثالثة ثم لا يزال يشتد انسهم بالرفيق الاعلى والكأس الأوفى إلى أن يصير الالتذاذ بما سوى اللّه تعالى مستحقرا عندهم في جنب تلك السعادات العالية الرفيعة فتلك اللذات التي كانت متروكة قبل ذلك تصير مستحرقة مرفوضة وهذا هو الدرجة الرابعة فهذه درجات التخلية وهي في لسان الحكمة درجات الرياضات السلبية وفي لسان محققي الصوفية درجات التخلق بنعوت وأما درجات الرياضات الايجابية المسماة عند المحققين بالترقى في مدارج الكمال فهي التخلق باخلاق اللّه بقدر الطاقة البشرية والمنة الانسانية وذلك أن يصير الانسان رؤوفا عطوفا رفيقا شفيقا وهذا هو مقام الجمع وقد اتفقت كلمة العارفين على أن مقامات السالكين إلى اللّه لا يخلو عن الفرق والجمع وأما الفرق ففيما سوى اللّه وأما الجمع ففي اللّه الا أن النفس ما دامت مشغولة باكتساب صفات الجمال ونعوت الكمال كانت في الفرق بوجه ما لان نظره متعلق بنفسه وبتلك الصفات ويكفيه اكتسابها وذلك مانع من الاستغراق التام ويحكى ان المنصور لقى حسين بن الخواص في البادية وسأله عن أمره فقال أروض في مقام التوكل فقال الحسين إذا أفنيت عمرك في التوكل فمتى تصل إلى اللّه فاما الجمع التام فلا يكون الا بالوقوف عند باب الاحد الصمد الحق بحيث لا يبقى نظره إلى نفسه ولا إلى اشتغاله بالله ولا إلى استغراقه في اللّه فيكون هناك الكمال التام ولنرجع إلى التفسير وأما قوله العرفان مبتدى من تفريق ونقض وترك ورفض فاعلم أن هذه الالفاظ الأربعة دالة على المراتب الأربعة التي لخصناها وأما قوله ممعن في جميع الصفات هي صفات للحق فاعلم أن قوله ممعن خبر عن العرفان كأنه قال العرفان مبتدئ من كذا ممعن في كذا وأما جميع صفات الحق فقد فسرناه وأما الانتهاء إلى الواحد الحق فقد عرفت المراد منه