Skip to main content

شرح الفخر الرازى على الاشارات — Page 242

Contributors:

P.242
والنفس والهيولى والدهر والخلاء وفساد هذه الأقاويل وأشباهها انما يظهر بالدلالة المذكورة على أن واجب الوجود يستحيل أن يكون أكثر من واحد وأما القائلون بان واجب الوجود واحد فقد اختلفوا على قولين منهم من قال إنه تعالى لم يكن في الأزل فاعلا ثم صار فيما لا يزال فاعلا وهم المليون بأسرهم ومنهم من قال إنه كان في الأزل فاعلا لهذا العالم وهم أكثر الفلاسفة ثم ذكر الشيخ من أدلة القائلين بان الحوادث الماضية بذاته ثلاثة أوجه أحدها أنه لو لم يكن للحوادث الماضية بذاته لكان قد دخل ما لا نهاية له في الوجود وذلك محال فان كل ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود وما لا يتناهى لا يكون محصورا وثانيها أنه لو لم يكن للحوادث الماضية أول لتوقف حدوث الحوادث اليومية على انقضاء الحوادث التي وجدت قبل ذلك فإذا كانت الحوادث التي انقضت قبل ذلك غير متناهية كان حدوث الحوادث اليومية متوقفا على انقضاء ما لا نهاية له وما يتوقف حدوثه على انقضاء ما لا نهاية له كان محالا أن يدخل في الوجود فوجب أن يكون حدوث الحوادث اليومية ممتنعا ولما لم يكن كذلك علمنا أن الحوادث الماضية متناهية وثالثها وهو أن كل وقت يتجدد فإنه يزداد فيه عدد الحوادث الماضية وكل ما يتطرق اليه الزيادة والنقصان فهو متناه فالحوادث الماضية متناهية ثم إن الشيخ بعد أن فرغ من الدلالة على أن للحوادث بذاته ذكر أقوال القائلين بحدوث العالم في ان اللّه تعالى لم لم يقدم خلق العالم على الوقت الذي خلقه فيه ولم يؤخره عنه وذكر من تلك الأقاويل ثلاثة أحدها قول المعتزلة الذين يقولون العالم وجد حين كان أصلح لوجوده وثانيها قول الكعبي وطائفة أخرى انه لم يمكن وجوده الا حين وجد وهؤلاء لعلهم لا يقولون إنه كان قبل ذلك ممتنعا لذاته ثم انقلب ممكنا بل يقولون إنه قبل حدوثه نفى محض وعدم صرف وليس له تخصص ولا تميز فيستحيل الحكم عليه بالامكان والامتناع وثالثها قول أكثر الفرق وهو أنه لا يتعلق وجوده بحيز وبشيء آخر بل بالفاعل ولا يسئل عما يفعل وبيانه هو أن اللّه تعالى فاعل مختار والفاعل المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح فان الهارب من السبع الضاري إذا عن له طريقان متساويان في جميع الأمور المعتبرة فإنه لا بد وان يسلك أحدهما لا لمرجح وكذلك العطشان جدا إذا خير بين قد حين من الماء متساويين من الوجوه فإنه يختار أحدهما لا لمرجح وكذلك الجائع المخير بين رغيفين إلى غير ذلك من الصور وهاهنا لا يخلو اما أن يمنع من امكان حصول التساوي وهو مكابرة أو يقال عند حصول التساوي لا يختار أحدهما بل يصير حتى يموت جوعا وعطشا أو يفترسه السبع وهو أيضا مكابرة ولما فرغ من شرح مقالة القائلين بالحدوث قال وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول يقولون أن واجب الوجود بذاته واجب في جميع صفاته وأحواله الأولية فاعلم أن هذا هو العمدة الكبرى للقائلين بالقدم وهو أن ما لأجله كان واجب الوجود مؤثرا في العالم اما أن يكون أزليا أو لا يكون فإن كان فاما أن يجب ترتب الأثر عليه أو لا يجب فإن لم يجب كان حصول الأثر مع كل تلك الاعتبارات ولا حصوله ممكنا والممكن لا بد له من مؤثر فالمؤثر مع كل تلك الاعتبارات الكافية في المؤثرية لا بد له من أمر آخر فلا تكون الاعتبارات الكافية كافية هذا خلف وان وجب ترتب الأثر عليه لزم من قدم المؤثر قدم جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية قدم الأثر واما القسم الثاني وهو أن يقال الأمور التي لأجلها أثر اللّه في العالم غير أزلية فهي حادثة والحادث لا بد له من مؤثر والكلام فيه كالكلام في الأول ولزم التسلسل وذلك التسلسل ان كان دفعة فهو محال على ما مر في النمط الرابع وان كان كل واحد منها مسبوقا بالآخر لا إلى أول لزم القول بحوادث لا أول لها واعلم أن الشيخ قد أدخل في هذه الحجة الجواب عن قول من قال العالم انما حدث حين حدث لأنه أصلح في ذلك الحين وعن قول من قال انما كان كذلك لأنه لو لم يكن ممكنا قبل ذلك لكان اختصاص تجدد تلك الأصلحية وذلك الامكان بذلك الوقت دون ما قبل وما بعد لا بد له من سبب واما القول الثالث وهو أن القادر كاف في الترجيح فالشيخ قنع في ابطاله بدعوى الضرورة في أن كل ممكن لا بد له من سبب والخصوم ينازعون فيه في الصور المعدودة واعلم أن الجواب عن هذا الكلام أنه تعالى فاعل مختار فلا جرم أنه تعالى أراد احداث العالم في الوقت المخصوص دون ما قبله وما بعده فلئن قالوا فلم أراد على هذا الوجه دون سائر الوجوه فاعلم أن لنا في الجواب عن ذلك وجوها ومعارضات استقصينا القول فيها في سائر كتبنا وقول الشيخ واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته وأحواله الاوّلية فيه فائدة لان واجب الوجود بذاته ليس واجب الوجود في جميع صفاته على الاطلاق لان من جملة صفاته الإضافات فإنه تعالى تارة يكون قبل وتارة يكون بعد وتارة يكون مع وهذه الصفات متزيلة فلا يمكن اطلاق القول بأن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته بلى انه واجب الوجود في جميع صفاته الاوّلية وأما الإضافات فإنها لا تكون صفات أوّلية بل هي صفات ثانوية عارضة للذات بسبب الصفات الأول وأما قوله وانه لا يتميز في العدم الصريح حال الأولى فيها به ان لا يوجد شيأ أو بالأشياء أن لا يوجد عنه أصلا وحال بخلافها فاعلم أن المراد منه الرد على من قال انما حدث في ذلك الوقت لأنه صار أصلح أو لأنه صار ممكنا وتقريره ان العدم الصرف لا تفاوت فيه أصلا