كذلك كالواحد فإنه متقدم على الاثنين وان لم يكن علة له ولقائل أن يقول إن كان المراد بتقدم العلة على المعلول كونها مؤثرة فيه فذلك حق لكنه كلام لا فائدة فيه لأنه لا معنى لكونه علة له الا كونه مؤثرا فيه فإذا قلنا العلة متقدمة على المعلول وعنينا بالتقدم التأثير كان معنى الكلام أن المؤثر في الشيء مؤثر فيه فيكون معنى الموضوع ومعنى المحمول واحدا وذلك هدر لا فائدة فيه وان كان المراد بالتقدم أمرا وراء التأثير فلا بدّ من إفادة تصور ذلك الامر أو لا ثم من إقامة الدلالة على التصديق به وحاصل كلام الشيخ في بيان هذا التقدم أمران أحدهما أن الشيء إذا كان علة لشيء فالوجود ما وصل إلى المعلول الا بعد وصوله إلى العلة ومروره بها واما في جانب المعلول فليس كذلك وذلك يقتضى تقدم العلة على المعلول وثانيهما أنه يقال في المشهور انى حركت يدي فتحرك المفتاح أو ثم تحرك المفتاح وذلك يدل على التقدم واعلم أن الأول ضعيف جدا لان قولنا الوجود مر بالعلة ثم وصل إلى المعلول كلام مجازى لا محالة فإن كان المراد منه أن ذات العلة مؤثرة في المعلول فهذا مسلم لكنا بينا أن ذلك لا يقتضى التقدم وان كان المراد شيأ آخر فلا بدّ من بيانه فان الرد والقبول لا يمكن الا بعد التصور والثاني أيضا ضعيف لأنه تمسك بكلام أهل العرف وهو ركيك وبتقدير صحته فلسنا نسلم أن أهل العرف تصوروا من ذلك الا أن حركة اليد مؤثرة في حركة المفتاح فان ادعيت انهم أرادوا بهذه الصيغة أمرا وراء التأثير فهو ممنوع ولا بد من الدلالة عليه ثم إنه بعد تقرير البعدية بالذات شرع في بيان أن كل ممكن محدث فان وجوده بعد عدمه بعدية بالذات لان الامر الذي يكون للشيء من ذاته قبل ماله من غيره قبلية بالذات لا بالزمان وكل ما كان موجودا بغيره فإنه يستحق العدم لو انفرد أو لا يكون له وجود لو انفرد وهذا يقتضى تقدم كونه على كونه تقدما بالذات وهذا هو الحدوث الذاتي ولقائل أن يقول تقدم عدم الممكن على وجوده ليس بالعلية بل إن كان ولا بد فبوجه آخر والذي أورده في أول هذا الفصل انما هو بيان التقدم بالعلية فاذن ما أورده قبل الشروع في المقصود غير منتفع به فيه والذي ينتفع به فيه هو القبلية الذاتية لا على سبيل العلية كما بينه وما ذكر فكان الكلام مستدركا من هذا الوجه ثم لئن تنزلنا عن هذا المقام فنقول لا ينازع في أن ما للشيء من ذاته قبل ماله من غير قبلية بالذات لكن لا نسلم أن الممكن يستحق العدم من ذاته فان الذي يستحق العدم من ذاته يكون ممتنعا لذاته والممكن لذاته لا يكون ممتنعا لذاته بل الممكن يصدق عليه انه لا يستحق الوجود من ذاته لكن لا يصدق عليه انه يستحق اللاوجود من ذاته والفرق بين استحقاق الوجود وبين استحقاق اللاوجود ظاهر وإذ ظهر فساد قولكم الممكن يستحق العدم من ذاته لم يمكنكم أن تثبتوا أن عدمه قبل وجوده بالذات وقول الشيخ انه يستحق العدم لو انفرد أو لا يكون له وجود لو انفرد فيه مغالطة لأنه ان أردنا بالانفراد اعتبار ذاته من حيث هي هي مع قطع النظر عن وجود علته وعدم علته فلا نسلم أنه في هذه الحالة يستحق العدم لذاته إذ لو كان كذلك لكان ممتنعا لا ممكنا وان أراد بالانفراد اعتبار ذاته مع عدم علة وجوده ففي هذه الحالة لا شك أنه يستحق العدم لكن لا لذاته بل لعدم علة وجوده فان علة عدم المعلول عدم علة وجوده عندهم وإذا كان وجود المعلول لأجل وجود تلك العلة وعدمه لأجل عدمها كان كل واحد منهما حاصلا للشيء من غيره وعلى هذا التقدير لا يظهر للعدم تقدم أصلا على الوجود واعلم أنا ان أردنا اصلاح هذه الحجة قلنا الممكن لذاته يقتضى أن لا يكون مستحقا للوجود والعدم من ذاته فهذه اللااستحقاقية مستحقة لذاته فيكون لها تقدم على استحقاق الوجود والعدم وحينئذ يحصل منه الحدوث الذاتي ولنرجع إلى تفسير المتن واعلم أن من أول الفصل إلى قوله ثم أنت تعلم أن حال الشيء الذي يكون للشيء في اعتبار ذاته في بيان ماهية البعدية الذاتية ومنه إلى آخر الفصل في بيان أن كل ممكن محدث بالذات فاما قوله الشيء يكون بعد الشيء من وجوه كثيرة
مثل البعدية الزمانية والمكانية فمعناه ظاهر وأما قوله وانما نحتاج الآن من الجملة إلى ما يكون باستحقاق الوجود وان لم يمتنع أن يكونا في الزمان معا وذلك إذا كان وجود هذا عن آخر ووجود الآخر ليس عنه فاعلم أن معناه أن القبلية الحاصلة بالزمان والمكان غير واجبة لان الذي وجد في الزمان المتقدم كان يصح حصوله في الزمان المتأخر وبالعكس وكذا القول في القبلية بالمكان وأما القبلية الواجبة فهي أن تكون
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 231
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٣١