تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وان كان عروضه بعد تعين أول سابق فكلامنا في ذلك وباقي الاقسام محال ) التفسير قال رضى اللّه عنه لما فرغ عن تقرير المقدمتين شرع الآن في ذكر الدلالة على التوحيد فقال لو قدرنا شيئين واجبي الوجود لكان كل واحد منهما مخالفا للآخر في تعينه ومشاركا له في وجوب وجوده وما به الاشتراك مغاير لما به الاختلاف فاذن ذات كل واحد منهما مركب من الوجوب الذي شارك به الآخر ومن التعين الذي به امتاز عن الآخر وعند ذلك تفرض الأقسام الأربعة المذكورة في المقدمة الأولى وأحدها أن يكون الوجوب الذي به الاشتراك لازما للتعين الذي به الامتياز وهذا القسم وان كان قد بينا أنه صحيح في الجملة لكنه باطل في هذا الموضع بالدلالة التي قررناها في المقدمة الثانية فان وجوب الوجود لو كان لازما لماهية أخرى لكان معلولا لتلك الماهية ولكانت تلك الماهية متقدمة بالوجود على الوجود وبالوجوب على الوجوب وذلك محال على ما مر وأما القسم الثاني وهو أن يكون التعين لازما للوجوب وهذا يقتضى أن يقال أينما حصل الوجوب حصل ذلك التعين فكل واجب وجوده فهو ذلك المعين فواجب الوجود ليس الا ذلك المعين فيكون واحدا لا كثيرا وأما القسم الثالث والرابع أن يكون الوجوب عارضا للتعين أو يكون التعين عارضا للوجوب فهما باطلان لوجوه كثيرة وأقربها أن كل عارض مفارق فلا بد له من علة خارجية فيلزم افتقار كل واحد من واجبي الوجود إلى علة خارجية اما في وجوبه أو في تعينه وذلك يخرجهما عن الوجوب بالذات ويقتضى امكانهما وهذا تمام تقرير الدلالة ولقائل أن يقول أما ما ذكرتموه في افساد القسم الأول من أن التعين لو كان علة للوجود للزم تقدمها بالوجود على نفسها فالكلام عليه ما مر في الفصل السالف ثم لئن سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال الوجوب وصف سلبى وبتقدير أن يكون الامر كذلك يبطل هذا الدليل لا يقال الدليل على أن الوجوب وصف ثبوتي أمران الأول أن الوجوب مناقض للامتناع الذي هو أمر عدمي ومناقض العدم ثبوت فالوجوب أمر ثبوتي الثاني وهو أن الوجوب عبارة عن تأكد الوجود فلو كان الوجوب عدما والعدم مناقض للوجود لكان الوجوب متأكدا بمنافيه ومناقضه وهو محال والجواب عن الأول أن الوجوب كما أنه يرتفع بالامتناع فكذلك يرتفع بالامكان الخاص فالامكان الخاص ان كان عدميا مع أنه ينافي الامتناع الذي هو أمر عدمي فحينئذ يكون المنافى للامر العدمي عدميا أيضا ويبطل دليلكم وان كان وجوديا مع أن الوجوب ينافيه وعندكم المنافى للوجودي عدمي فيلزم أن يكون الوجوب عدميا والثاني أن قولكم الوجوب تأكد الوجود ان عنيتم به كونه بحيث يستحق الوجود من ذاته ويمتنع زواله ثم زعمتم أن هذا الاستحقاق وزوال الامتناع ثبوتي فهو مصادرة على المطلوب الأول وان عنيتم به شيأ آخر فافيدوا تصوره ثم التصديق به ثم لئن سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على كون الوجوب أمرا ثبوتيا لكن هاهنا ما يدل أيضا على كونه عدميا من وجوه الأول أن الوجوب لو كان أمرا موجودا لكان اما أن يكون واجبا أو لا يكون فإن لم يكن واجبا جاز زواله لذاته ومتى فرض زواله لم يبق الواجب واجبا فالواجب لذاته غير واجب لذاته هذا خلف وان كان واجبا وجب أن يكون وجوبه صفة أخرى وجودية زائدة عليه ولزم التسلسل لا يقال لم لا يجوز أن يكون كون الوجوب واجبا هو نفس ذاته المخصوصة لأنا نقول هذا مدفوع لان الوجوب بتقدير كونه موجودا مساويا لسائر الموجودات في الوجود ومخالفا لها في الماهية وما به الاشتراك غير ما به الاختلاف فوجوده مغاير لماهيته فاتصاف ماهيته بوجودة ان كان واجبا كان الوجوب حينئذ نسبة خاصة حاصلة بين ماهيته ووجوده وإذا كان كذلك وجب أن يكون وجوبه مغايرا لماهيته ووجوده لان النسبة التي بين الشيئين مغايرة لهما لا محالة والثاني أن الوجوب لو كان أمرا ثبوتيا لكان اما أن يكون نفس الذات الواجبة واما أن يكون جزأ داخلا فيها أو أمرا خارجا عنها والأقسام الثلاثة باطلة فالقول بكونه أمرا ثبوتيا باطل وانما قلنا إن القسم الأول باطل أما أولا فلانا نصف الذات بالوجوب ووصف الشيء بنفسه غير معقول وأما ثانيا فلان المعقول من الوجوب هو كون الشيء واجب الوجوب وهذا نسبة مخصوصة بين الذات والوجود والنسبة بين الشيئين متأخرة عن كل واحد منهما وهذا يقتضى أن لا يكون الوجوب نفس الذات الواجبة ولا جزأ منها واما ثالثا فلانا نعقل الوجوب بالذات ولا نعقل خصوصية ذات واجب الوجود فوجوبه ليس نفس حقيقته والقسم الثاني أيضا باطل لان الوجوب أيضا يكون جزأ من ماهية الذات الواجبة لو كان لتلك الماهية جزء آخر وذلك محال لان الماهية الواجبة لذاتها يستحيل