تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩

( إشارة [ في بيان المقدمة الأولى لبيان توحيد واجب الوجود ]

كل أشياء تختلف بأعيانها وتتفق في أمر مقوم لها فاما أن يكون ما تتفق فيه لازما من لوازم ما تختلف فيه فتكون المختلفات لازم واحد وهذا غير منكر واما أن يكون ما تختلف به لازما لما تتفق فيه فيكون الذي يلزم الواحد مختلفا متقابلا وهذا منكر واما أن يكون ما تتفق فيه عارضا عرض لما تختلف به وهذا أيضا غير منكر واما أن يكون ما تختلف فيه عارضا عرض لما تتفق فيه وهذا أيضا غير منكر ) التفسير الغرض من هذا الفصل بيان احدى المقدمتين اللتين ذكرهما وقبل الخوض في تقرير غرض الشيخ من هذه المقدمة نحن تقدم مقدمتين فالأولى ان كان شيئين أو أكثر فلا بدّ وأن يكونا متخالفين في هويتيهما وتشخصهما لان تشخص هذا لو كان حاصلا لذلك لكان هذا ذلك لا غيره هذا خلف الثانية أن الأشياء قد تكون متوافقة في شيء من المقومات كالاشخاص الداخلة تحت نوع واحد والأنواع الداخلة تحت جنس وقد لا تكون متوافقة في شيء من المقومات كالأجناس العالية فإنها لا تكون متوافقة في شيء من المقومات وان كانت ربما توافقت في شيء من الصفات العرضية وإذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول كل أشياء فهي مختلفة بأعيانها كما بيناه فإذا اتفقت في أمر مقوم لها كان ما به الاختلاف مغايرا لما به الاشتراك لا محالة فتكون هوية كل واحد منهما مركبة شارك الآخر ومما به امتياز عن الآخر وعند ذلك اما أن يكون ما به الاشتراك لازما لما به الاختلاف أو بالعكس أو يكون ما به الاشتراك عارضا مفارقا لما به الاختلاف أو بالعكس فهذه أقسام أربعة لا مزيد عليها فلنعتبر أحوالها فنقول أما القسم الأول وهو ان يكون ما به الاشتراك لازما لما به الاختلاف فهو غير منكر ومثاله فصول الأنواع الداخلة تحت جنس واحد فان طبيعة ذلك الجنس لازمة لطبائع تلك الفصول وكالوجود والوحدة اللازمين للمقولات وكالتماثل والاختلاف والتضاد والتغاير اللازمة للحقائق المختلفة الكثيرة فان السواد والبياض مثلا وان كانا مختلفين لكنهما مشتركان في كون كل واحد منهما ضدا للآخر وانما أوجبنا اختلاف مقدمتي الشكل الثاني في السلب والايجاب لهذه العلة فإنه لما كان اشتراك المختلفات في الوصف الواحد ممكنا كما أن اشتراك المتماثلات فيه أيضا ممكن لا جرم لم يمكن الاستدلال بالاشتراك في الوصف على اختلاف الموصوفات ولا على تماثلها وأما القسم الثاني وهو أن يكون ما به الاختلاف لازما لما به الاشتراك فهو محال لأنه لو كان لازما له لكان حاصلا معه أبدا ولو كان حاصلا معه أبدا لما وقع الاختلاف فيه مثلا لو كان الناطق لازما للحيوان لحصل أينما حصل الحيوان ولو كان كذلك استحال أن يتميز لأجله حيوان عن حيوان وأمّا القسم الثالث وهو أن يكون ما به الاشتراك عارضا مفارقا لما به الاختلاف فهو ظاهر الجواز وكذا القسم الرابع وهو أن يكون ما به الامتياز عارضا مفارقا لما به الاشتراك ومتى وقفت على ما قلناه عرفت ما في الكتاب فان ألفاظه في هذا الفصل بينة جلية
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 199 | فخر الدين الرازي