تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
أن يقال إن الاجزاء المائية كانت مبثوثة في الهواء الذي يليها لكنها لصغرها وجذب حرارة الهواء لها ما كانت يتمكن من أن يخرق اتصال الهواء وينزل ويجتمع على أطراف الكوز فلما برد الاناء بالجمد جدا أيضا حتى يبرد الهواء القريب منه جدا فزالت السخونة عن تلك الأجزاء الصغيرة المبثوثة في الهواء فنقلت ونزلت واتصلت فاجتمع على الكوز بسبب ذلك قطرات وهذا هو السبب الذي ذكر صاحب المعتبر أو يقال إن تلك القطرات انما حصلت على سبيل الترشح مما في داخله أو يقال إن الهواء انقلب ماء ووجه الحصر ان هذه القطرات المائية اما أن يقال إنها كانت ما قبل اجتماعها على طرف الكوز أو ما كانت كذلك فان كانت ماء فاما أن يقال إنها من الماء الذي في الكوز وهو الذي يكون على سبيل الترشح أو من الاجزاء التي في خارج الكوز وإذا عرفت الحصر فنقول القسم الاوّل باطل لان تلك القطرات كلما نحيناها اجتمعت مرة أخرى ولو كان السبب ما قالوه لما كان الامر كذلك الا في المرة الأولى لما برد الهواء المحيط بالكوز وردت جملة الاجزاء المائية المبثوثة فيه ونزلت على طرف الكوز فحينئذ لم يبق في الهواء المحيط بالكوز شيء من الاجزاء المائية وإذا كان كذلك وجب أن لا تجتمع القطرات كرة أخرى لكنا نرى انا كلما أزلنا تلك القطرات اجتمعت مرة أخرى وهو المعنى بقول الشيخ كلما لقطته مد فعلمنا فساد هذا القسم وأما الترشح فهو أيضا باطل اما أولا فلان الماء الحار ألطف فيكون أقبل للرشح لكن الامر المذكور لا يحصل عن الماء الحار واما ثانيا فهذه القطرات ربما اجتمعت على موضع من الكوز فوق الموضع الذي يماسه الجمد والرشح انما يكون في الموضع المجاوز للمترشح وأما ثالثا فلان ذلك الجمد يكون بحيث لا يتحلل منه شيء مع أنه يجتمع تلك القطرات بل كلما كان الجمد أبعد عن التحلل كان المعنى المذكور أتم وانما قال الشيخ وليس لا يكون الا في موضع الرشح ولم يقل ولا يكون في موضع الرشح لان المقصود ليس هذا الامر لا يحصل من الرشح بل في ان هذا الامر لا يحصل من الرشح ولما بطل القسمان ثبت القسم الثالث وهو انه استحال ماء فان قيل إذا كانت برودة الاناء بقلب الهواء ماء فلما ذا لم يقلب الهواء المحيط به بالكلية ماء ثم إذا انقلب الهواء ماء لا بدو ان يسيل ذلك الماء فحينئذ ينجذب اليه هواء آخر لاستحالة الخلاء فينقلب ذلك أيضا ماء حتى أتى سيل عظيم بسبب ان برودة الكوز تقلب الهواء ماء فنقول يحتمل أن يكون السبب فيه ان الماء ألطف من الاناء فيكون تسخنه عن الهواء الحار أسهل من تسخن الاناء وإذا كان كذلك فالاناء إذا برد وأحال الهواء الملاصق به ما التصق ذلك الماء بالاناء ويسخن عن الهواء فمنع وصول برودة الاناء إلى الهواء فلا جرم لم ينقلب الهواء ماء ولهذا السبب متى أزلنا القطرة الملتصقة بالاناء عنه حصلت عليه قطرات أخر ولقائل أن يقول نحن نعلم بالضرورة ان برد الهواء المحيط المطيف بالآنية بسبب برودة الآنية ليس أعظم من برد الهواء المحيط بالأرض الجمدى في صميم الشتاء بل من برودة الهواء في الموضعين اللذين تحت قطبى العالم في الوقت الذي تكون الشمس عارية عنهم ستة أشهر فلو كان تبرد الهواء المحيط بالاناء المذكور يقتضى انقلابه ماء لكان تبرد الهواء في الصورتين المذكورتين أولى بان تقتضى انقلابه ماء ثم إذا انقلب ذلك ماء عادت برودة ذلك الماء على برودة الهواء المحيط به فيزداد ذلك الهواء بردا فيكون انقلابه إلى المائية أولى وعلى هذا الترتيب يلزم أن ينقلب كل الهواء الذي هناك ماء ولما لم يكن الامر كذلك علمنا أن برد الهواء لا يقتضى انقلابه ماء فبطل ما ذكره الحجة الثانية انه قد يكون صحو في قلل الجبال فيضرب الصر هواها فينقلب ذلك الهواء سحابا ماطرا قال صاحب الصحاح الصر بالكسر برد يضرب التناثر واعلم أن هذه الحجة تجريبية والشيخ حكى عن نفسه انه شاهد الهواء الصافي أصفى ما يكون وبالجملة على ما يكون في الشتاء من الصفاء ينعقد دفعة من غير بخار يصعد اليه أو ضباب ينساق نحره ويصير سحابا ويلقى الأرض ويرتكم عليه ثلجا بكلية مقدار رمية في رمية فيصير الهواء صافيا لخطة ثم ينعقد مرة أخرى ويلزم من هذا الدور حتى أنه ينضد من هذا الوجه على تلك البقعة ثلج عظيم لو سال لعم
شرح الفخر الرازى على الاشارات — صفحة 108 | فخر الدين الرازي