تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حي بن يقظان — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
تلك الظبية إلى أن تم له حولان « 1 » ، وتدرج في المشي واثغر « 2 » ، فكان يتبع تلك الظبية . وكانت هي ترفق به وترحمه ، وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر . فكانت تطعمه ما تساقط من ثمارها الحلوة النضيجة ، وما كان منها صلب القشر كسرته له بطواحنها . ومتى عاد إلى اللبن اروته ، ومتى ظمئ إلى الماء أوردته ، متى ضحا « 3 » ظللته ، ومتى خصر « 4 » ادفأته . وإذا جن الليل صرفته إلى مكانه الأول ، وجللته بنفسها ، وبريش كان هناك ، مما ملئ به التابوت أولا في وقت وضع الطفل فيه . وكان في غدوّهما ورواحهما قد الفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما .

المحاكاة غريزة في الانسان والحيوان . قوى النفس تظهر تدريجيا : التذكر والنزوع والكراهية .

فما زال الطفل مع الظباء على تلك الحال ، يحكي نغمتها بصوته ، حتى لا يكاد يفرق بينهما . وكذلك كان يحكي جميع ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر الحيوان ، محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده . وأكثر ما كانت محاكاته لأصوات الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع ، إذ للحيوانات في هذه الأحوال المختلفة أصوات مختلفة . فألفته الوحوش وألفها ، ولم تنكره ولا أنكرها . فلما ثبت في نفسه أمثلة الأشياء بعد مغيبها عن مشاهدته ، حدث له نزوع إلى بعضها ، وكراهية لبعض .

الملاحظة والمقارنة .

وكان في ذلك كله ينظر إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار والاشعار والريش . وكان يرى ما لها من سرعة العدو وقوة البطش ، وما لها من الأسلحة المعدة لمدافعة من ينازعها ، مثل القرون والأنياب والحوافر والصياصي « 5 » والمخالب . ثم يرجع إلى نفسه ، فيرى ما به من العري ، وعدم السلاح ، وضعف العدو ، وقلة
هامش
( 1 ) حولان : سنتان .
( 2 ) اثغر : ظهرت أسنانه .
( 3 ) ضحا : تعرض للشمس .
( 4 ) خصر : برد .
( 5 ) الصياصي : شوك الديك ، وقرن البقر والظباء ، وكل ما يتسلح به .
حي بن يقظان — صفحة 33 | ابو بكر بن طفيل