وكذلك كان يرى أنه إذا ادخل إصبعيه في اذنيه وسدهما ، لا يسمع شيئا حتى يزول ذلك العارض . وإذا امسك انفه بيده ، لا يشم من الروائح شيئا حتى يفتح انفه .
فاعتقد من اجل ذلك ان جميع ما لها من الادراكات والافعال قد تكون لها عوائق تعوقها ، فإذا أزيلت تلك العوائق عادت الافعال .
أول استنتاج : العلة غير ظاهرة ولكنها موجودة حتما
فلما نظر إلى جميع أعضائها الظاهرة ولم ير فيها آفة ظاهرة ، وكان يرى مع ذلك العطلة قد شملتها ، ولم يختص بها عضو دون عضو ، وقع في خاطره ان الآفة التي نزلت بها انما هي في عضو غائب عن العيان ، مستكن في باطن الجسد ، وان ذلك العضو لا يغني عنه في فعله شيء من هذه الأعضاء الظاهرة . فلما نزلت به الآفة عمت المضرّة وشملت العطلة ، وطمع بأنه لو عثر على ذلك العضو وأزال عنه ما نزل به ، لاستقامت أحواله ، وفاض على سائر البدن نفعه ، وعادت الافعال إلى ما كانت عليه .
ما الذي جعله يفكر ان العلة في الصدر
وكان قد شاهد قبل ذلك في الأشباح الميتة من الوحوش وسواها ان جميع أعضائها مصمتة ، لا تجويف بها الا القحف والصدر والبطن ، فوقع في نفسه ان العضو الذي بتلك الصفة لن يعدوا أحد هذه المواضع الثلاثة . وكان يغلب على ظنه غلبة قوية ، انه انما هو في الموضع المتوسط من هذه المواضع الثلاثة ، إذ كان قد استقر في نفسه ان جميع الأعضاء محتاجة اليه ، وان الواجب بحسب ذلك ان يكون مسكنه في الوسط .
وكان أيضا إذا رجع إلى ذاته شعر بمثل هذا العضو في صدره ، ولأنه كان يعترض سائر أعضائه ، كاليد والرجل والاذن والانف والعين ، ويقدر مفارقتها . فيتأتى له انه كان يستغنى عنها . وكان يقدر في رأسه مثل ذلك ، ويظن أنه يستغني عنه ، فإذا فكر في الشيء الذي يجده في صدره لم يتأت له الاستغناء عنه طرفة عين . وكذلك كان عند محاربته الوحوش ، أكثر ما كان يتقي من صياصيهم على صدره ، لشعوره بالشيء الذي فيه .
فلما جزم الحكم بان العضو الذي نزلت به الآفة انما هو في صدرها ، اجمع على