ولا أرى أنّ الطبيعة تستحيل محرّكة للأعضاء خلاف ما يوجبه ذاتها طاعة للنفس ، ولو استحالت الطبيعة كذلك لما حدث إعياء عند تكليف النفس ايّاها غير مقتضاها ، إذا الاعياء إنّما يكون بسبب حركة طارئة على الجسم خلاف ما يقتضيه ، ولما تجاذب مقتضى النفس ومقتضى الطبيعة عند الرّعشة .
ويتبيّن من هذا وجود قوّة للانسان هي مبدأ الحركة غير ما يقتضيه المزاج ، بسببها يقع التجاذب في حركة الرعشة والاعياء ، فانّ تلك القوّة غير المزاج ، وكيف « 1 » تكون النفس الانسانيّة المزاج ، واللمس لا يتمّ إلّا باستحالة المزاج وعدمه وحدوث مزاج آخر ؟ والمعدوم كيف يدرك ؟
وأمّا القوّة الانفعاليّة فقد تكون قريبة وقد تكون بعيدة « 2 » ، فالقريبة « 3 » مثل قوّة الصبىّ على أن يصير رجلا ، والبعيدة مثل المنى .
وقد قال بعض الأوائل وخلف « 4 » من الواردين بعدهم : « إنّ القوّة تكون مع الفعل ولا تتقدّمه » والقائل بهذا القول لا محالة ليس في جبلّته أن يرى النوم مرا را كثيرة [ أن يرى القوم مرارا كثيرة ] [ أن يرى في اليوم مرارا كثيرة ] « 5 » ، فيكون بالحقيقة أعمى ، بل كلّ ما ليس موجودا ولا يسبقه قوّة الوجود فهو مستحيل الوجود .
فنقول : إنّ كلّ كائن بعد ما لم يكن بعديّة بالزّمان فإنّه يسبقه مادّة « 6 » ، وذلك لأنّه قبل كونه ممكن الوجود ، فإنّه ان لم يسبقه إمكان الوجود « 7 » كان ممتنعا .
هامش
( 1 ) - سائر النسخ : فكيف .
( 2 ) - انظر الفصل الثاني من رابعة إلهيات الشفاء .
( 3 ) - سائر النسخ : والقريبة .
( 4 ) - سائر النسخ : وخلق .
( 5 ) - ف ، ج : مرارا كثيرة فيكون . ض : من أرى كثيرة فيكون . الشفاء : وهذا القائل لا محالة غير قوى على أن يرى وعلى أن يبصر في اليوم الواحد مرارا فيكون . . .
( 6 ) - انظر أيضا ثاني رابعة إلهيات الشفاء .
( 7 ) - ض ، ج : امكان وجوده .