فإنّ الميمين موجودين بينهما ، والباء والألفان مجموعا هي الدّال ، والذّالان المعجمتان مجموعا على اصطلاحهم في الحساب هو الحاء ، وسيجيء ما هو أصرح من ذلك مع نكات أخر . ومن العجب العجاب [ 1 ] أنّ اليهود في إنكارهم النسخ يستندون إلى أنّه يوجب نسبة الندم ولوازمه إليه تعالى ، مع أنّه نقل بعض العلماء الإسلاميين عن « 12 » توراتهم أنّه عبر في مواضع منها عن نسخ بعض الأحكام الّتي كانت في زمن موسى ومن قبله بلفظ الندم .
ومعلوم أنّ إطلاق هذا اللفظ في حقّه تعالى باعتبار الأثر ، كإطلاق غيره من الألفاظ الدّالّة على المعاني الّتي لا يجوز عليه ، كالغضب والتعجب والضحك ، كما « 13 » قيل في المشهور .
اغراض را بگير واعراض را بمان .
وقد بيّن الاصوليّون جواز النسخ بوجوه ، منها - أنّ الأحكام الشرعيّة إمّا أن يكون معلّله بمصالح العباد واللّطف بهم ، كما هو مذهب المعتزلة القائلين بوجوب اللّطف على اللّه تعالى ، أولا يكون كذلك بل هي مستندة إلى محض إرادة اللّه تعالى واختياره ، من غير باعث وداع ، كما هو مذهب أهل الحقّ [ 2 ] .
والنّسخ على التقديرين جائز ، أمّا على الأوّل فلأنّه يجوز أن يختلف مصالح الأوقات فيختلف الأحكام بحسبها ، كما أنّ الطبيب يعالج المريض كلّ يوم بعلاج خاصّ يقتضيه مصلحة الوقت ، وربما يخالف العلاج السابق .
وأمّا على الثاني . فأظهر ، لأنّ اللّه تعالى هو الحاكم المطلق الفعّال لما يريد ، يجوز له أن يرفع حكما ويضع غيره ، لا لغرض « 14 » ولا باعث ، لا سيّما إذا كان متضمنا لحكمة ومصلحة ، كسائر أفعاله المنزهة عن البواعث والأغراض المشتملة على الحكم والمصالح الجمّة ، وتسمّى غايات ، بل على قاعدة أهل الحقّ يجوز ذلك ، وإن لم يكن « 15 » متضمّنا للمصلحة .
[ فإن قلت : ما ذكرته من الحكمة في بيان النسخ ، إنّما يجرى في حكم تلقّاه المكلفون وعملوا به مدّة ، إذ حينئذ يمكن أن يقال : إنّ تغيير الحكم بحسب تغيّر المصالح ، ولا يجرى في حكم لم يعمل به قطّ حتى نسخ ، كما روى في حديث الإسراء ، أنّ الصلاة المكتوبة فرضت أوّلا خمسين ثمّ نسخ وفرض الخمس كما هو المشهور في كتب الحديث .
هامش
( 12 ) من . م
( 13 ) على ما . م
( 14 ) بغير غرض . د
( 15 ) وإن فرض أنّه لا يكون . د
( 1 ) العجاب - بضمّ الأوّل ما جاوز حدّ العجب يقال عجب عجاب وعجيب في المبالغة .
( 2 ) وهم الأشاعرة عند المصنف .