الإخلاص بمنزلة كلمة التوحيد ، حيث نفى فيهما استحقاق الآلهة الباطلة أوّلا ، وأثبت استحقاقه تعالى ثانيا للعبادة ، فإنّ قوله تعالى : قل هو اللّه أحد إلى أخره يدلّ على استحقاقه تعالى للعبادة ، فإنّ من هو أحدى الذّات صمدىّ الصّفات ، منزّه عن الكفؤ والشريك ، هو الواجب بذاته ، وهو مبدء الكلّ ، فيكون مستحقا للعبادة لا محالة .
فإن قلت : كما أنّها مشتملة على النهى عن عبادة الغير ، فهي مشتملة على عبادته تعالى لقوله تعالى :
« وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ »
فيكون مشتملة على نصف مقاصد القران بناء على ما ذكرتم .
قلت : ليس فيها دلالة على الأمر بالعبادة كما لا يخفى ، كما أنّه ليس فيها الأمر بعبادة غيره في قوله :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ
والحاصل أنّ هذه السّورة مشتملة على البراءة من الشرك بالله ، وليس فيها تصريح بالأمر بعبادة اللّه ، فباعتبار معناه الصريح يكون ربع القران كما ذكرنا .
ومن البيّن أنّ النبي ( ص ) بل سائر الأنبياء عليهم السّلام ، كانوا مبعوثون لدفع الشرك في العبادة وتخصيص اللّه تعالى بها ، كما سبق ، وذلك إنّما يتحقق بنفي عبادة ما سواه ، وعبادته . وهذه السّورة مشتملة على الجزء الأوّل من الحصر ، فناسب أن يطلق عليه ربع القران .
ثم نقول : هذه السّورة بمنزلة التخلية من حيث أنّ فيها براءة من الشرك ، وسورة الإخلاص المشهورة بمنزلة التجلية ، إذ فيها وصفه تعالى بالصفات الكمالية المستدعية لاستحقاق العبادة .
الثالثة - اختلف العلماء في أنّ قوله تعالى :
لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ،
منسوخ بآية السيف أولا ، فذهب الأكثرون إلى أنّه ليس منسوخا بل ذهب بعضهم إلى أنّه ليس في القران منسوخ أصلا وهذا الأخير منسوب إلى أبى مسلم الأصفهاني من الأصوليين ، وطائفة من الصّوفية . وذهب بعضهم إلى أنّه منسوخ بآية السيف .
ونحن نقدم أوّلا معنى النسخ ثم نرجع إلى البحث . فنقول ، النسخ في اللّغة الإبطال والإزالة [ 1 ] ، يقال : نسخت الريح أثار الأقدام ، أي أزالتها وأبطلتها وفي الاصطلاح كما عرّفه
هامش
( 1 ) النسخ في اللغة ، الإزالة والنقل والتحويل ومنه الناسخ ، ونسخ الكتاب أي نقله واكتتبه حرفا بحرف ، وقيل حقيقة في الأوّل مجاز في الثاني ، وقيل بالعكس ، وقد كثر استعماله بمعنى الإزالة بين الصّحابه والمخالفين وكانوا