يفرح بذلك فرحا لا يدرك كنهها ، ومع ذلك فقد يتذكّر أحيانا أهله وولده ، ويحنّ إليهم حنينا يسيرا ، ثمّ بعد زمان قليل ينسى ذلك ، وقوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
« 1 » إشارة إلى ما ذكرنا « 2 » .
وأمّا النفوس المتنبّهة لكمالاتها المقصّرة في تحصيل أسبابها الغير المكتسبة لاستعداد حصولها في الآخرة الغير المتألّمة « 3 » على فواتها لموانع ذكرت ، فإنّها إذا فارقت عن البدن وزالت الشواغل عنها تنبعث أشواقها الطبيعية إلى كمالاتها ، فتبقى متشوّقة إلى الأبد ، ولم تنلها البتة ، فتبقى مريضة في جوهرها ، لا راحة لها ولا قرار لها ، لا تموت فيها ولا تحيى .
فإن كانت مع ذلك تابعت الشهوات ونالت إلى الزخارف الدنياوية فإنّها إذا فارقت البدن اشتاقت إليها وطلبتها . فيضاعف لها العذاب ضعفين ، لكن هذا العذاب لا يدوم ؛ لأنّ الهيئة العارضة للنفس لا تدوم .
وو أمّا النقصان الحاصل في الاستعداد للكمال فغير مجبور بعد المفارقة ؛ لأنّ حصوله بواسطة البدن ولا بدن .
وأمّا النفوس الّتي لم تتنبّه في البدن لكمالاتها الممكنة لها فهي [ 1 ] :
إمّا أن تكون ساذجة ، [ 2 ] : وإمّا أن تكون معتقدة اعتقادات باطلة .
فإن كانت ساذجة خالية عن الاعتقادات فإنّها إذا فارقت عن البدن لا تتشوّق إلى كمالاتها ؛ لأنّ الشوق إليها تابع للتنبه لها ، وإذا
هامش
( 1 ) . مريم / 71
( 2 ) . ف : ذكروا
( 3 ) . ف : المتأمله