قال أفلاطون : ومن الأشياء ما لا ينحّل بتة دون أن يعالج قبل بالنار .
قال أحمد : ما انعقد من الأجسام في الماء فإنه يستحيل أن ينحلّ بعد في الماء ، إذ الماء علّة العقد . فإذا عولج بالنار وانتزع منه العقد والانضمام الواقع من الماء فإنه بعد ذلك يسهل حلّه .
قال أفلاطون : وليكن عملك كالمراقى يرتفع من الأرض إلى الماء ، ومن الماء إلى الهواء ، ومن الهواء إلى النار . ثم صفّ بعد ذلك .
قال أحمد : إن هذا القول مما يستحق أن يوضع في الكتاب الرابع . فإنه وإن كان مما يحتاج إليه من يحلّ الأشياء فإنه تمام العمل . ولما وضعه الفيلسوف في هذا الموضع فلا بد من كشف غامضه . إن الماء وإن كان قعر الطبيعة فهو لسيلانه ولين تركيبه أسرع استحالة ، والأرض تستحيل إلى الماء إذا دبرت ، والماء يستحيل هواء والهواء نارا والنار تنفرد ، أعنى الحرارة تنفرد عن اليبس . فإذا انفرد سهل أن يلحق بالصفو . فعلى هذا أمر الشيخ أن يكون التدبير .
قال أفلاطون : والعلّة فيما يأمر من الارتقاء التدريب .
قال أحمد : يقول : إنا ندبّر الأرض حتى يلحق بالتدبير النار ليجرى عليه تدبير العمل فنتدرّب ؛ ولولا ذلك لكان قصد الجنس النارى مما يغنى عن تدبير جنس الأرض حتى يقام في جنس النار .
قال أفلاطون : والعمل الكبير ضبط ما يحل .
قال أحمد : لولا ما قدّمه الفيلسوف في قوله لما كان مستحيلا إدراك هذه الصناعة على ذي الجهل والعلماء . إلّا أن هذا الاستمكان من ذلك الفعل العظيم الذي يتجاوز أفعال البشر .
وسنأتي في هذا الكتاب وفيما يليه بالآراء « 1 » التي ترشد إلى ما يعين على ضبط الشئ إلّا أنّا « 2 » إن أخرجنا ذلك بالعبارة التامّة الكلية ، فلن نستطيع أن نأتى بالمحتاج إليه في ذلك ؛ ولا يستغنى
هامش
( 1 ) ص : الآراء .
( 2 ) ص : إلّا وإن .