الفصل الثاني
يا نفس ! لا تذمّى الدنيا وتقولي : هي دار خديعة ومصيدة « 1 » وغرور ، فإنها ليست كذلك إلّا عند ذوى العقول الناقصة ومن يعرض له الجهل والنسيان . ولو كانت دار خديعة بالحقيقة لكان الإنسان منذ بدء « 2 » ظهوره فيها إلى وقت خروجه منها لا يشافه « 3 » منها إلّا نعيما ولذات وسرورا . ثم تأتيه المساءة « 4 » حينئذ بغتة فتزيله عن ذلك النعيم ويستحيل « 5 » به ما كان فيه إلى خلاف ذلك . وليس الأمر « 6 » فيها كذلك ، بل إنما يرى الإنسان ينشأ في هذه الدنيا ويتربّى بأحوال مختلفة لا نظام لها : فيوما محزون ، ويوما مسرور ، ويوما متلذذ ، ويوما متألم متوجّع « 7 » . والشئ إذا أظهر لك جميع ما في طبعه فقد أنصفك « 8 » ونصحك ؛ وإنما المخادع من كان في طبعه الخير والشرّ فأظهر لك الخير وأبطن « 9 » الشر لوقت الفرصة والمكنة منك . ولست أرى أحدا « 10 » نال من هذه الدنيا فرصة إلّا وأعقبه ذلك غصّة وألما « 11 » . وليس هذا شرط المخادعة من قبل الدنيا ، وإنما المخادعة من قبل الإنسان لنفسه « 12 » ، وذلك أن الإنسان الناقص هو المخادع نفسه المهلك لها ، لا الدنيا ، لأن الدنيا قد أظهرت له جميع ما في طبعها من نعيم وبؤس . فاغتبط « 13 » الإنسان
هامش
( 1 ) مصيدة : ناقصة في ب .
( 2 ) ب : يوم .
( 3 ) ب : لا يصيبه منها إلا نعيم . وما أثبتناه في ص ، س ، ع ، ر . والمشافهة في كتب اللغة :
المخاطبة . أما هنا فبمعنى : يناله ، يحظى به . والكلمة تكررت مرارا في ثنايا هذا الكتاب .
( 4 ) ص ، س : المساء - وكذا في ع ، ر . وفي ب كما أثبتنا ووافقناه . وفي ل : المشاة .
( 5 ) ب : وتستحيل به عما كان فيه . . .
( 6 ) ص ، س : وليس من فيها .
( 7 ) ب : متوجع متألم .
( 8 ) أنصفك : ناقصة في ب .
( 9 ) ب : وأبطن لك .
( 10 ) ب : وليس أحد .
( 11 ) ص ، س : وإثما .
( 12 ) ب : نفسه - وما أثبتنا في ص ، س ، ل .
( 13 ) ص ، س : فارتبط .