صار البعد « 56 » ، المحصّل بين المرئي والرائي ، مميّزا بحاسة البصر أيضا ؛ بل صار عدد الأشخاص المرئية مثبتا أيضا بهذه الحاسة .
ثم لما كان مجموع هذه المعاني مما يستعان به في التفرقة بين الجواهر المرئية ، نحو الانسان والفرس ، بل نحو زيد وعمرو ، صارت « 57 » الجواهر أيضا مدركة بحاسة البصر . ويشبه أن لا يوجد ، على هذه المعاني المذكورة ، شيء يزيد في الادراك بهذه الحاسة . فإذا المدركات بالبصر صارت بأسرها محصورة بالعدد تحت هذه الأصناف السبعة ، وهي : اللون ، والعظم « 58 » ، والشكل ، والعدد ، والمسافة / ، وهيئة السكون ، والحركة ، والجوهر الحاصل لهذه المعاني كلّها ، وبالله التوفيق .
القول في مراتب المدركات بحاسة البصر :
إنّ من الأشياء ما يكون بالموضوع واحدة وبالحدود كثيرة . ومنها ما يكون بالحدود واحدة وبالموضوع كثيرة . فأمّا التي هي واحدة بالموضوع ومتكثّرة بالحدود فكالتفاحة التي يجتمع في كلّ جزء « 59 » من أجزائها الطعم باللون والرائحة ، وهي من [ جهة ] حقائق معانيها مختلفة الحدود .
وأما التي هي متكثّرة بالموضوع ومتّحدة بالحدود فكالمياه التي تنبع من العيون المتفرقة وتجري في الأنهار المختلفة . فإنها وإن وصفت بالكثرة - لاختلاف مواطنها ، وتفرّق مواقعها - فإنّ حقيقة معانيها كلّها تجتلب حدّا واحدا ، وهو أنه جوهر رطب سيّال . وإذ عرف ذلك ، ثم لم يشكّ أيضا أنه ما من شيء الا وهو من جهة وجوده يكون معتبرا على وجهين : أحدهما الوجود الذاتيّ ، أعني أن يصير كائنا بالفعل ، خارجا عن العدم ، محصّلا بالذات ؛ والآخر الوجود الاضافيّ ، أعني أن يصير معلوما عندنا ، ومحققا لدينا ، ومقررا بالاستثبات ؛ فمن الواجب إذا أن نعلم أن الأشياء التي تكون متحدة بالموضوع متكثّرة بالحدود قد يجوز أن
هامش
( 56 ) ص : بعيد .
( 57 ) ص : وصارت .
( 58 ) ص : والطعم .
( 59 ) ص : جزء ، حيثما وردت .