متظاهرين للقلب على قبول الوحي ، كرّر اللّه تعالى ذكر هذا الثّلاثة معا في كثير من المواضع ، نحو قوله :
« إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا »
، ومثل قوله :
« وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ »
. وجمع نقص هذه الثّلاثة بالنسبة إلى المعقولات (
b
204 ) والمبصرات والمسموعات في قوله :
« لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ ، لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها »
، وفي قوله :
« صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ »
. فالبكم للقلب ، كما أن العمى والصمّ لهما .
المنزل الاوّل الوحي القلبىّ ، وهو أعم المراتب ولا ينطلق اسم ( م 136 ر ) النبوّة الاعلى من له هذه الدّرجة ، ولو على أدنى المراتب . فان مراتب هذه الإشارة في الصفاء والكدورة ممّا لا يقف على كنهها ، الّا اللّه الذي هو ملقيها .
وبعده الرّوح الذي هو واسطة القائها ، كما قال :
« يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
. وكما قال :
« يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ »
. وهو نور شعشعانىّ يقذف من معدن النّفس النّاطقة ، يكاد سنا برقه يذهب بالابصار ، من قوّة نفحاته وشدّه فوحاته .
وهو البراق الّذي يمطّى النّفس على نفسه ، ويرفعها إلى المنزل الاعلى ، فينزل هويّا ، كما قال :
« وَالنَّجْمِ إِذا هَوى »
. هو النّجم الذي بضوئه يهتدى ، والامام المبين (
a
205 ) الذي به يقتدى .
ولكن حالة هويه يكون مجردا صافيا عن الغواشي . فإذا دنى من عالم ظلمة البشريّة المتكدّرة ، فبحسب دنوّه منه ينمحق بهاؤه وضياؤه ويزداد تكدّره وانطفاؤه . فان غلب على ظلمة البشرية يخطف الرّوح من أسرها ، ويخلص نجيّا بهيجا طيّبا اريجا ، فينسلخ النفس عن جلده غاية الانسلاخ .
وهي أقرب حالات الانسان إلى الموت ، وتسمّى معراجا روحانيا ، وعبّر عنها بقوله :
« وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ ، فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ »
، بقي الهيكل ظلمانيّا .
وهذه الحالة هي المحكية بقوله : ثم دنى فتدلّى ، فكان قاب قوسين أو أدنى .
عبّر عن تلك القربة بمقدار قوسين ، كما هو عادة ( 87 پ ) العرب من أن شخصين متخاصمين متى اصطلحا يقرن بين قوسيهما موتّرا . وان غلبت ظلمة القوى عليه ، فينطمس و ( م 136 پ ) يتلاشى . وهذا هو المقام الذي قال ، عليه السّلام ، لجبريل : « ادن منى » فقال : « لو