هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة ، وعن الإطالة منى في المعذرة ، وإذا تواهبنا ما دفعنا إليه ، استأنفنا ما نتحامد عليه .
فقال الشاعر :
أيها الرئيس ، هذه نفثة مصدور منذ زمان ، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر ، والغنى إذا مطل لئيم .
فاستشاط ابن العميد وقال :
واللّه ما استوجب هذا العتب من أحد من خلق اللّه . ولقد نافرت ابن العميد من دون ذا حتى دفعنا إلى قرا عائم ، ولجاج قائم ، ولست ولى نعمتي فأحتملك ، ولا صنيعتى فأغضى عليك ، وإن بعض ما قررته في مسامعى ينفض مرة الحلم ، ويبدد شمل الصبر ، هذا وما استقدمتك بكتاب ، ولا استدعيتك برسول ؛ ولا سألتك مدحي ، ولا كلفتك تقريظى ! فقال الشاعر :
صدقت أيها الرئيس ، ما استقدمتنى بكتاب ، ولا استدعيتنى برسول ولا سألتني مدحك ، ولا كلفتنى تقريظك ، ولكن جلست في صدر ديوانك بأبهتك ، وقلت : لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة ، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة ، فانى كاتب ركن الدولة ، وزعيم الأولياء بالحضرة ، والقيم بمصالح المملكة ؟ فكأنك دعوتني بلسان الحال ، ولم تدعني بلسان المقال فثار ابن العميد مغضبا وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته وتقوض المجلس ، وماج الناس ، وسمع الشاعر وهو في صحن الدار مارا يقول :
واللّه إن سف التراب ، والمشي على الجمر ، أهون من هذا ! فلعن اللّه الأدب إذا كان بائعه مهينا له ، ومشتريه مما كسا فيه فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه ، التمسه من الغد ليعتذر
المقابسات — صفحة 92
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٩٢