ومواطن اللّذات أو * طانى ودار اللّهو دارى
لم يبق لي عيش يلذّ * سوى معاقرة العقار
حتّى بألحان قمر * ت بهنّ الحان القمارى
وإذا استهل ابن العم * يد تضاءلت ديم القطار
خرق صفت أخلاقه * صفو السّبيك من النضار
فكأنّما زفّت موا * هبه بأمواج البحار
وكأنّ نشر حديثه * نشر الخزامى والعرار
وكأنّنا ممّا تفرّ * ق راحتاه في نثار
كلف بحفظ السّرّ تحس * ب صدرة ليل السّرار
إنّ الكبار من الأمو * ر تنال بالهمم الكبار
وإلى أبى الفضل اتّبع * ت هواجس النّفس السّوارى
فتأخرت صلته عنه ، فشفع هذه القصيدة بأخرى واتبعها برقعة ، فلم يزده ابن العميد على الاهمال ، مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه ، فتوصل إلى أن دخل عليه يوم الخميس وهو في مجلس حفل بأعيان الدولة ومقدمى أرباب الديوان ، فوقف بين يديه ، وأشار اليه بيده وقال :
أيها الرئيس ، إني لزمتك لزوم الظل ، وذللت لك ذل النعل ، وأكلت النوى المحرق انتظارا لصلتك ؛ واللّه ما بي من الحرمان ، ولكن شماتة الأعداء ، وهم قوم نصحونى فأغششتهم ، وصدقوني فاتهمتهم ، فبأي وجه ألقاهم ، وبأي حجة اقاومهم ! ولم أحصل من مديح بعد مديح ، ومن نثر بعد نظم ، إلا عدم مؤلم ، ويأس مسقم ؟ فإن كان للنجاح علامة فأين هي ؟ وما هي ؟
الا ان الذين نحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك ، وإن الذين هجوا كانوا مثلك ، فزاحم بمنكبك أعظمهم شانا ، وأنورهم شعاعا ، وأمدهم باعا فما رشد ابن العميد ولم يدر ما يقول ، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال :