تعددت فيها الألسنة ، والثقافات التي غذتها ، ومراكز البحث التي عنيت بها . فكانت الدراسة باليونانية أولا ، ولم يمنع هذا من أن تشترك فيها اللاتينية والعبرية . وإذا كانت مادة البحث في أساسها يونانية ، فإنه أضيف إليها أمشاج مصرية وفارسية ويهودية ، وكانت الإسكندرية مركز البحث الرئيسي ، ثم انضم إليها برجام ، ورودس ، وأنطاكية ، وفي هذا ما ربط ثقافة هذا العصر بالثقافة السريانية ثم بالثقافة العربية .
وفي هذا العصر رياضيون مختلفون ، نحرص على أن ننوه بثلاثة منهم كان لهم شأن في الدراسات الرياضية العربية ، وهم أقليدس ( 283 ق . م . ) ، وأرشميدس ( 212 ق . م . ) ، وأبو للونيوس ( 180 ق . م . ) . ولن نقف طويلا عند أقليدس ، وقد خصه بحق الدكتور عبد الحميد صبره بحديث طويل في مقدمة هذا الكتاب ، وكل ما نستطيع أن نقوله هو أن العرب عدوه الرياضى الأول ، كما عدوا أرسطو المنطقي الأول ، وجالينوس الطبيب الأول . وحظى كتابه ، « الأصول » ، عندهم بما لم يحظ به مؤلف رياضى آخر ، ترجموه في عهد مبكر ، ثم عادوا إلى ترجمته غير مرة ، وعلى أبدى كبار المترجمين ، شرح وعلق عليه جملة وتفصيلا ، ولخصه رياضيون متلاحقون . تدارسوه باختصار في عمق ، وكان عمدتهم في بحوثهم الهندسية . وعن العربية نقل إلى اللاتينية ، واستثار همة اللاتين في القرن الثالث عشر الميلادي نحو البحوث الهندسية .
وأما أرشميدس فكان بالنسبة للعرب رائدا في الهندسة المساحية والميكانيكية ، عرفوا قدرا غير قليل من كتبه ، وبخاصة كتاب الدائرة ، وقياس الدائرة ، وكتاب الكرة والأسطوانة . ومنها ما فقدت أصوله اليونانية ، ولم يصل إلينا إلا عن طريق ترجمات لاتينية أخذت عن العربية .
وأبو للونيوس معاصر لأرشميدس ، أصغر منه سنا ، وقد عاش معه زمنا في مدرسة الإسكندرية ، وعن طريقها انتقل إلى العالم العربي . وإذا كان أرشميدس قد عنى بالهندسة المساحية فإن أبو للونيوس قد اتجه نحو القطاعات المخروطية ، يحدد
الشفاء ( الرياضيات ) — صفحة هوية الكتاب 6
مساهمون: أبو علي سينا
صهوية الكتاب ٦