النفس متمكّنة فيها ثابتة بل هي أمور عارضة وأحوال لا حقة فتزول بسرعة . ومثال ذلك عندنا هاهنا تلذّذ نفس العاشق أحيانا بغير المعشوق ، وتلذّذ « 1 » ضعيف القوى ببعض المشتهيات ؛ فإنّ بعد الترك لها لا يجد الإنسان أثرا موجودا في نفسه ؛ فأمثال « 2 » هؤلاء لا يجوز أن تنتقل نفوسهم إلى أبدان شيء من الحيوانات بل يرتقون إلى سعادة تليق بهم .
[ الأنفس الطاهرة تتخلّص إلى عالم النور المحض دون النقل ]
وجميع الحكماء المتألّهين متّفقون على أنّ الأنفس الطاهرة « 3 » تتخلص « 4 » إلى عالم النور المحض دون النقل ؛ فإنّ النور النفسي إذا قهر القوى الظلمانية البدنية واستولى عليها وكان شوقه إلى العالم النوري العقلي أكثر منه إلى الأجسام المظلمة وقواها ، فكلّما ازداد كمالا ازداد نورا وعشقا إلى الأنوار المجرّدة العقلية ونور الأنوار ، فازداد غنى وقربا من النور الأوّل . فإذا اشتدّ شوقه وعشقه إلى العالم العقلي والنور الإلهي واستضاء « 5 » بها وحصل لها ملكة الاتصال بتلك الجواهر العقلية فعند فساد البدن الإنساني لا تنجذب إلى أبدان شيء من الحيوانات المتنكسة « 6 » ؛ لكمال « 7 » قوتها العقلية وشدة انجذابه إلى العوالم النورية الصرفة المتقّوي بالشوارق العظيمة ، فلا محالة تنجذب إلى معدن الحياة المحضة وينبوع الأنوار الصرفة وتتخلص بعد الموت إليها وتنخرط في سلكها وتصير عقلا من العقول المجردة مستغرقا أزلا وأبدا في النور الأزلي والسرور السرمدي . ولمّا لم يتصور « 8 » القرب من العلة الأولى والمبادئ العقلية بالكمال « 9 » بل بالصفات العقلية الروحانية ، كان أكثر الناس تجردا عن العلائق البدنية الظلمانية أقرب منها . والعشق العقلي والشوق الروحاني هو حامل الذوات