الفصل الثاني عشر في حقيقة إدراك الواجب لذاته والمفارقات العقلية وعلم النفوس
ظنّ جماعة من الحكماء القدماء ، كفرفوريوس وأتباعه ، أنّ إدراك « 1 » ما من شأنه أن يدرك ، كالنفوس الناطقة ، هو أن يصير المدرك نفسه نفس صورة المدرك عند إدراكه له « 2 » ؛ وهذا هو اتحاد المدرك بالصورة المدركة . وقد سبق إلى بطلان هذا إشارة من أنّ شيئا لا يصير بعينه شيئا آخر ، فإنّه إن بقي الأوّل مع حصول الثاني فهما « 3 » اثنان فلا اتحاد ، وإن بطل الأوّل وبقي الثاني أو بقي الأوّل وبطل الثاني فليس ذلك باتحاد لأنّه لم يصر أحدهما الآخر بعينه ؛ وإن بطلا كلاهما « 4 » فلم يبق شيء ليصحّ وقوع « 5 » الاتحاد عليه . فعلى كل واحد من التقادير الأربعة ، لا يصح قولهم : إنّ المدرك نفسه « 6 » يصير نفس الصورة المدركة عند الإدراك ؛ وقد علمت أنّ شيئين « 7 » لا يصيران شيئا واحدا إلّا باتصال وامتزاج وتركيب وليس في الإدراك شيء من هذا ؛ فليس بطلان أحد جزئي شيء « 8 » وبقاء الآخر أو بطلانهما أو بقاؤهما اتحادا حقيقيا ؛ وإن سمّي « اتّحادا » فعلى سبيل المجاز . ومع كون الاتحاد الإدراكي