فإذا وصل السالك إلى هذا المقام وتلاشى نوره الأضعف في النور الأشد الأقوى وسكر بلذّات الأنوار القاهرة وصارت الأنوار المجردة العقلية مظاهر للنفوس « 1 » الناطقة المتّصلة بها ، فلا ترى « 2 » النفس التي هذه حالها إلّا المظهر فقط ؛ فتنطق حينئذ بلسان ذلك المظهر ، حتى قال بعضهم : « أنا الحق » و « سبحاني وما أعظم شاني » و « ليس « 3 » في الجبة سوى اللّه » و
وقد جاء في الخبر النبوي أنّه « لا يزال العبد يتقرب إليّ « 4 » بالنوافل والعبادات حتى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي « 5 » يمشي عليها » ؛ فهذا أيضا إشارة إلى ما ذكرنا . و « 6 » أمّا في العقل الفعال ، فلأنّ النفس لا تتمكن من إدراك الصور العقلية حتى يشرق نور العقل على الصور العقلية فتصير بذلك مجردة عن المادة وعلى النفس الناطقة ؛ فتستعدّ بذلك لإدراك تلك الصور العقلية . ويكون ذلك الإشراق العقلي على النفس وشدة لمعانها عليها وانمحاق « 7 » نورها في نور العقل الفعال واستيلائه عليها ، يعبّر عن هذه الحالة ب « الاتحاد » ؛ فإنّ النور الأضعف يغيب في النور الأشدّ ولا يبقى للأضعف أثر عند استيلاء نور العقل « 8 » عليه . وأمّا اتحاد النفس بالصور العقلية ، فإنّ النفس عند إدراك الصورة المعقولة لا التفات لها إلى ذاتها ولا إلى شعورها بذاتها وإدراكها لإدراكها ؛ فهي لا تدرك إلّا ذلك المعقول المجرد الروحاني لا غير ، فكأنّها غائبة عن ذاتها