[ وجه تسمية الإلهيات بالعلم الكلي وما بعد الطبيعة والفلسفة الأولى ]
أمّا تسميته « 1 » لهذا العلم بعلم ما بعد الطبيعة « 2 » ، فلأنّه أراد ب « الطبيعة » الجسمانيات المحسوسة التي هي أقرب إلى طباعنا وأعرف من الأمور المجردة عن المادة ؛ وإن كانت الأمور المجردة أقدم وجودا من الأمور الطبيعية المحسوسة ؛ ولأجل ذلك سمّاه بعض القدماء بعلم ما قبل الطبيعة ؛ فالقبل « 3 » والبعد إنّما أطلقا باعتبارين « 4 » مختلفين . وإنّما سمّاه « 5 » ب « الفلسفة الأولى » لأنّ فيه يعرف جميع المبادي الأولية والصفات العامة الكلية ، وهي العلة الأولى التي هي أول الموجودات ؛ ويعلم فيه أوّل مراتب العموم وهو الوجود والوحدة ؛ وهي التي إذا عرفت عرف ما هي مباد له ، فيتمّ بمعرفتها « علم ما بعد الطبيعة » ؛ ولأنّ في « 6 » هذا العلم تتبيّن « 7 » مبادئ جميع العلوم ؛ و « المبادئ » هي التي بمعرفتها يعرف ما هي مباد له ؛ فالعلوم كلها - الموقوف معرفتها على معرفة مبادئها « 8 » - يحتاج في معرفتها إلى تلك المبادئ ؛ فهو علم سابق متقدم من هذه الجهة ومن جهة « 9 » الرتبة في الوجود ، فلأجل هذا « 10 » سمّاه ب « الفلسفة الأولى » . وسمّاه ب « العلم الإلهي » ، لأنّ فيه معرفة ذات الإله وصفاته ، والمجردات التي هي ثمرة هذا العلم ، ومعرفة الوجود وأقسامه الغير المفتقرة « 11 » إلى المادة من حيث هو « 12 » وجود ، وإن كان بعض أقسامها يفتقر من جهة أخرى .