وأمّا ما ذكره الحكماء في إثبات تجرد النفس الناطقة التي لنا أنّ نفوسنا تقدر على تعقل المعقولات الغير المتناهية فيكون قواها غير متناهية ؛ أمّا تعقّلها للمعقولات الغير المتناهية فلأنّها تعقل الأعداد الحسابية والأشكال الهندسية وهما غير متناهيين ، وكل ما عقل الأمور الغير المتناهية فقواه غير متناهية فنفوسنا قواها غير متناهية « 1 » ، ولا شيء من القوى المنطبعة يقوى على الإدراك والأفعال الغير المتناهية فنفوسنا غير منطبعة في أجسامنا . وهذه الحجة ليست برهانية - على ما اعترف به الجماعة - فإنّ أحد مقدّماتها قولهم : « إنّ نفوسنا تقدر على الإدراك الغير المتناهي » وهي ممنوعة فإنّ إدراكنا الأمور المتناهية على سبيل التفصيل محال فصحّ أنّ القوى - سواء كانت مجردة أو منطبعة - متناهية الآثار . ثم كل من له أدنى نظر وتأمّل حدسي إذا رجع إلى نفسه يرى أنّه لو كان لأنفسنا القوة الغير المتناهية لما أمكن أن تمنعها القوى البدنية عن عالمها « 2 » العقلي ومشاهدته والالتذاذ به وما انحبست في علاقة الأجرام و « 3 » تقيدت في تدبير الأجسام ولما كان تأثيرها منحصرا في بدن واحد ، والتالي في الكل باطل فكذا المقدم . فإذا كانت الحركات الفلكية غير متناهية وقواها المحرّكة لها متناهية فيجب أن يكون المبدأ العقلي الذي لها دائم الفيض على تلك النفوس الفلكية ، وهي قابلة لتلك الإفاضات العقلية النورية والتشويقات الإلهية القدسية الغير المتناهية ، وتكون الحركات والتأثيرات الصادرة عنها غير « 4 » متناه « 5 » على سبيل الوساطة لا على سبيل المبدئية - لما عرفت من تناهي قواها كيف كانت - فلا تزال العقول المجردة ممدّة لتلك النفوس الفلكية بالقوى الغير المتناهية أزلا وأبدا وهي تتحرك شوقا وعشقا إلى « 6 » تلك الذوات العقلية ويرشح عنها الخير الدائم على كل قابل من السفليات على سبيل العرض لا على سبيل القصد .
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية — صفحة 392
مساهمون: شمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري
ص٣٩٢
هامش
( 1 ) . د : - فنفوسنا قواها غير متناهية .
( 2 ) . م : عللها .
( 3 ) . د ، م : الأجرام ما .
( 4 ) . د : - غير .
( 5 ) . م : متناهية .
( 6 ) . د : إن .