الرسالة الثالثة في الأخلاق والتدابير والسياسات
وإذ قد فرغنا من مباحث الأصل فلنشرع الآن فيما يتفرع من هذه الشجرة من الأشجار والأغصان ؛ فلنترقّ فيها ، آتين على كل غصن حتى ننتهي إلى الذروة العليا . وكنّا قد قلنا : إنّ الحكمة تنقسم إلى قسمين : إلى العملية و « 1 » والعلمية ؛ وكانت الحكمة العملية مقدمة على العلمية ؛ لأنّ إدراك المعقولات على ما ينبغي موقوف على صفاء النفس وتنوّرها ؛ وهما موقوفان على تهذيب الأخلاق وتكميل السياسات . وقد قال أبو نصر الفارابي : « ينبغي لمن أراد الشروع في الحكمة أن يكون شابّا صحيح المزاج متأدبا بآداب الأخيار ، قد تعلّم القرآن واللغة وعلوم الشرع أوّلا ؛ ويكون عفيفا صدوقا معرضا عن الفسوق والفجور والغدر « 2 » والخيانة والمكر والحيلة ؛ ويكون فارغ البال عن مصالح معاشه ، مقبلا على أداء الوظائف الشرعية ، غير مخلّ بركن من أركان الشريعة ، ولا بأدب من آدابها ، معظما للعلم والعلماء « 3 » ؛ ولا يكون لشيء عنده قدر إلّا للحكمة « 4 » وأهلها ؛ ولا يتخذ علمه و