فهذه جملة صناعة الخطابة ، والخطيب « 1 » التام من أحاط بما ذكرنا ، ولكن يحتاج مع ذلك إلى قريحة وطبع ؛ فإنّ جماعة ممّن لا وقوف لهم على قوانين الخطابة خطبوا فأحسنوا ووعظوا فأقنعوا وأثّروا تأثيرا بالغا « 2 » . وخطب آخرون ممن وقف على هذه القوانين الكلية فقصروا ولم يجيدوا ؛ لأنّ القوانين « 3 » الكلية غير القرائح المطبوعة التي هي مرتاضة بجزئيات ذلك الفنّ الذي فيه الكلام ، والكلي « 4 » غير الجزئي .
[ الجدل أفضل أم الخطابة ؟ ]
واختلف الحكماء في أنّ الجدل أفضل أم الخطابة ، والحقّ أنّ الخطابة أفضل لوجوه : منها ، أنّ الجدل لا يفيد الإقناع للخواص ، لكون المقدمات غير يقينية ؛ ولا للعوام لدقة الأقيسة الجدلية ، فلا يفهمها العوام . ومنها ، أنّ العامي إذا عجز عن إلزام جدلي يحمله على جهله لا على قوة ذلك القياس ، فلا يفيد إقناعا حينئذ . ومنها ، أنّ الجدل خصومة وقهر و « 5 » الإنسان إذا عرف أنّ الغير يريد قهره وتعجيزه « 6 » ، يحمله ذلك على بغضه وعدم انقياده له ، فلا يحصل له الإقناع أصلا ؛ وقال تعالى :
« 7 » أي البرهان « 8 »