الأمر الثاني ، يتعلق بالترتيب
« 1 » ، كالتصدير بما يشير إلى المقصود ، كقولك في الفتح « 2 » : « الحمد للّه الذي عزّ أولياؤه وذلّ أعداؤه » ؛ والاقتصاص « 3 » بما يلوح منه المطلوب ، كما في المشاجرات والمنافرات « 4 » لدلالتهما على أمر : إمّا ماض أو حاضر ؛ فينسبان إمّا إلى « 5 » العدل والجور أو إلى الحسن والقبح . والمشوريات لمّا دلّت على مصلحة مستقبلة فلا يمكن فيها الاقتصاص « 6 » . وكذلك يبيّن المقصود بما يقع به الإقناع ، كقولك في المشاورات « 7 » : « هذا ما علمته من المصلحة وبعد ذلك الرأي رأيكم » ، ثم يختم الكلام بالتذكير . وعلى الخطيب أن يعرف ما يقتضيه كل صنف من هذه ؛ فإنّ التصدير في الشكاية قبيح غير لائق ، يدل على كذبه .
الأمر الثالث ، الأخذ بالوجوه
وهو من قبيل الحيل ؛ وهو قد يتعلق بالقائل ، ككونه في هيئة وزيّ « 8 » يليق به في حال الخطابة ، من رقة وهشاشة وحلم وطلاقة وعفيت « 9 » وتعبيس « 10 » وغير ذلك من إطرائه « 11 » نفسه وتزكيتها ؛ وقد يتعلق بالقول ، كرفع الصوت وتفخيمه فيما يتعلق بالحرب والشجاعة ؛ وتليينه خفضه فيما يتعلق بالاستعطاف والرحمة ، لإفادته الاستدراج للسامعين . والعوام وضعفاء العقول أقبل للخطابة وأطوع لقبول « 12 » الاستدراجات من الخواص ؛ ولذلك يعظّمون المرتاضين ويفخّمون المتنسكين ، وإن كانوا من أهل البدع والأهواء .