هذا القول يحتاج إلى تقييد ليستقيم ، ذلك أن الفارابي في مسألة مبادئ العالم وصدوره عن الله مزج بين آراء أرسطو وأفلوطين ، وتبنى صراحة نظرية الفيض التي قال بها أفلوطين وأضفى على العقل الفعال صفات لا نجدها عند أرسطو .
رابعا ، قوله : « فرّق بين الوحي والفلسفة » . إنه يعني بالوحي النبوة . والحق أن الفارابي لم يفرق بين الدين والفلسفة بل حاول جاهدا التوفيق بينهما أو توحيدهما لأنهما بنظره يهدفان إلى غاية واحدة ، ويعالجان المسائل ذاتها ، والنبي لا يختلف عن الفيلسوف بالوحي لأن الفيلسوف يتلقى العلم مثل النبي من العقل الفعال ، وهذا هو الوحي ، وإنما يختلف عنه بالملكة التي يتصل بها بالعقل الفعال ، إنها المتخيلة عند النبي والعقل المستفاد عند الفيلسوف .
خامسا ، قوله : « ووصف أصناف المدن الفاضلة . . . » . إنه لا يتناول سوى صنف واحد من المدينة الفاضلة ، ولكنه يتحدث عن أصناف عديدة من المدن المضادة للمدينة الفاضلة .
سادسا ، قوله : « واحتياج المدينة إلى السير الملكية والنواميس النبوية » .
هذا الحكم غير دقيق لأن الفارابي لم يشر إلى حاجة أهل المدينة الفاضلة إلى النواميس النبوية ، بل إلى فلسفة أفلاطون وأرسطو وأفلوطين .
وإذا كان كتاب السياسة المدنية والسيرة الفاضلة يعالجان الموضوعات ذاتها فإن الكتاب الثاني أكثر اكتمالا وأوسع محتوى للأسباب التالية :
كتاب السياسة المدنية — صفحة 17
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٧