محال بتمامه من أصله ، كقولك : الفرس يطير . وهذا هو الفرق بين المحال والمتناقض .
فصاحب المتناقض يتبدى بخبر يمكن صدقه ، ثم يأتي بخبر ينقضه . فلو لا أحدهما ، لاستقام الآخر . وصاحب المحال يتبدى بخبر ممتنع من أوله ، كقولك النار باردة .
والمبدل هو ان يبدل المخبر الخبر عما هو عليه ، وهو [ على ] قسمين : أحدهما من المحال ، كقولك : رايت فرسا يضحك ، وحكمه حكم المحال ، والمتناقض في التكذيب بالبديهة . والقسم الآخر هو من الممكن ، كقولك : عمر وضرب زيدا ، وانّما كان الضارب زيدا ، ومن يقدّم المؤخر ، ويصف العادل بأنّه جائر . وهذا القسم لا يجب تصديقه ولا تكذيبه الّا بعد النظر فيما يستدل به عليه منهما .
والدّعوى هي ان يدّعى المدّعى عن نفسه امرا ممكنا من غير جهل بما ادعاه ، كقولك : علمت أو رايت كذا ، أو فعلت أو كسبت كذا . ومنهم ( ومن الناس ) من المكان دعواه يسير ، وهو خليق بما ادعاه ؛ ومنهم من امكان دعواه عسير وليس هو خليق بما ادعاه ، فيكون القياس في ذلك مقرّبا من الحق . وقد يكون الحق خلاف ظاهر هذا القياس . فالدّعوى في الممكن مطلقا يحتاج إلى الاستدلال والنظر فيه . فامّا من ادعى امرا ممتنعا فكذبه ظاهر . اللهم الا ان يكون نبيّا مرسلا ، وقد جعل اللّه لذاك شواهد تدل على صدقه ، وهي فعله الممتنعات التي لا يقتدر على فعلها الا اللّه تعالى . فمتى فعل ما هو ممتنع على البشر ، وجب تصديقه فيما ادعاه في الامتناع من رؤية [ 41 پ ] أو سماع أو غيره ، وإلا فلا . والممتنع على قسمين :
الأول الممتنع على البشر الممكن من اللّه ، وذلك كاحياء الموتى ، وفلق البحر ، وتصيير العصى حية تسعى ، ومنع النار من الاحراق ، وعلم الغائب على المشاهدة ، وعلم ما يكون قبل ان يكون .
والثاني الممتنع لنفسه ، لا لعدم قدرة عليه أو لعجزه عنه ، لان القدرة عن الشئ والعجز عن الشئ ، والممتنع لنفسه ليس بشيء . وذلك مثل تصيير القديم محدثا والمحدث قديما . أو ان يكون شئ واحد قديما أو حديثا ، أو لا قديما ولا حديثا . والشئ انّما يدعى في القسم الأول ويفعل فيه فقط .
المنطقيات للفارابي — صفحة 508
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٥٠٨