تخطي إلى المحتوى الرئيسي

علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة تصدير 16

مساهمون:

صتصدير ١٦
لست أعنى بالاعتبارات السابقة أن درس فلسفة أرسطوطاليس ليس إلا ضرورة اقتضتها حالنا الراهنة من التخلف في الفلسفة واقتضاها الحرص على ربط حلقات السلسلة بيننا وبين الفلسفة العربية ، وأنه لولا هذه المقتضيات لما كان علينا أن نعنى بفلسفة مضى عليها ثلاثة وعشرون قرنا . كلا ! إن فلسفة المعلم الأوّل خالدة ما حدّها وطن ولا أخنى عليها زمن . فقد بنت عليها كل مدنية صروح مجدها العلمي حتى مدنيتنا الحديثة ، حتى المدنية المستقبلة على الفرض الذي افترضه بارتلمى سانتهلير ، إذ افترض أنه إذا أغارت أمم بربرية أيا كانت على هذه المدنية الحديثة فأردت بما فيها من علم وفلسفة فإلى من يرجع بعد ذلك ليؤخذ عنه العلم ؟ أيرجع إلى « كنت » أم إلى « هيكل » أم إلى « ليبنتز » أم إلى « ديكارت » ؟ كلا ! على رغم عبقرية هؤلاء فلا مرجع إلا إلى أرسطوطاليس الذي اليه رجعت العرب واليه رجعت القرون الوسطى بعد مثل هذه الطامة المفترضة وفي مثل هذه الضرورة . وفي الحق أن أرسطوطاليس لم يكن كغيره معلما في نوع خاص من العلوم دون سواه ، بل هو معلم في الفلسفة ، معلم في العلوم ، معلم في الآداب ، فهو كما لقبته العرب « بالمعلم الأوّل » على الاطلاق ، وكما وصفه دنتى ، في جحيمه ، بأنه « معلم الذين يعلمون » . قد استوى في الأخذ عنه أهل الدين وأهل الإلحاد ، علماء الطبيعيات وعلماء ما بعد الطبيعة ، علماء الاجتماع وعلماء الآداب . قال قولتير : « أرسطوطاليس ، أي رجل هو ! يخطّ قواعد المأساة ( التراچيديا ) باليد ذاتها » « التي يقرر بها قواعد المنطق وقواعد الأخلاق وقواعد السياسة والتي بها كشف ، » « بقدر ما يستطيع ، عن الطبيعة حجابها الكبير ! أفيستطيع المرء ألا يعجب بأرسطو » « وقد رأى أنه قد علم حق العلم بمبادئ البلاغة والشعر ! أين هو في أيامنا ذلك »