الدنيا ومن فيها ، وكذا خلق الآخرة ومن فيها وما فيها ، كلّه من فعل اللّه عزّ وجل ومشيئته ، وبما أن اللّه تعالى حكيم لا يخلق شيئا عبثا ، فالغرض من خلق الدنيا وما فيها هو أن يعرف الناس ربّهم ، ويصلوا إلى كمالاتهم ، بإطاعة اللّه سبحانه وتعالى ، والتقرّب إليه ، وهذا يقتضي اللطف من اللّه بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، ونصب الأوصياء والأئمة عليهم السّلام ليأخذ الناس منهم سبيل الاهتداء . وبما أن الحكمة هي ما ذكر في الخلق حيث يفصح عنه قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وبضميمة قوله سبحانه :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
يعلم أن الغاية من خلق الإنس والجن هي خلق الذين يعرفون اللّه سبحانه ويعبدونه ، ويهتدون بالهدى ، والسابقون على ذلك في علم اللّه سبحانه الذين يعيشون في الدنيا وسيلة لكسب رضا ربّهم ، والتفاني في رضاه هم الأنبياء والأوصياء والأئمة ( سلام اللّه عليهم أجمعين ) والسابقون في هذه المرتبة هم نبيّنا محمد والأئمة الأطهار ( صلّى اللّه عليهم أجمعين ) من بعده . وبذلك يصحّ القول أنهم علّة غائية لخلق العباد ، لا بمعنى أن الخالق يحتاج إلى الغاية ، بل لأنّ إفاضة فيض الوجود بسبب ما سبق في علمه أنّهم السابقون الكاملون في الغرض والغاية من الفيض ، واللّه العالم « 1 » .
وبتقريب آخر : إنّ الهدف من خلق الإنسان هو إيصاله إلى الكمال والسعادة ، المعبّر عنهما في القرآن الكريم ب « الرحمة » قال تعالى :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
( هود : 119 ) أي خلقهم للرحمة .
فهدف الخلق هو « الرحمة » وسبب الخلق هو « الرحمة » المتجسدة في النبي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم لقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( الأنبياء : 107 ) وعنه صلى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا رحمة مهداة » وفي حديث له صلى اللّه عليه وآله وسلّم عن أمير المؤمنين عليه السّلام :
« . . . وهو الذي أمر اللّه في كتابه
إِماماً وَرَحْمَةً
» « 2 » وعليه صحّ أن نقول :
هامش
( 1 ) صراط النجاة ج 3 .
( 2 ) معرفة الإمام ج 3 ص 41 .