تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5383

مساهمون:

ص٥٣٨٣

الرخصة في الكذب :

قال النّوويّ : اعلم أنّ الكذب يجوز - وإن كان أصله محرّما - يجوز في بعض الأحوال بشروط مختصرها : أنّ الكلام وسيلة إلى المقاصد ، فكلّ مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه ، وإن لم يكن تحصيله إلّا بالكذب ، ثمّ إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا كان الكذب مباحا ، وإن كان واجبا كان الكذب واجبا . فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله ، أو أخذ ماله ، وأخفى ماله ، وسئل إنسان عنه وجب الكذب بإخفائه . وكذا الوديعة . . . إلى أن قال والأحوط في هذا كلّه أن يورّي . ومعنى التّورية : أن يقصد بعبارته مقصودا صحيحا ليس هو كاذبا بالنّسبة إليه ، وإن كان كاذبا في ظاهر اللّفظ ، وبالنّسبة إلى ما يفهمه المخاطب ، ولو ترك التّورية وأطلق عبارة الكذب فليس بحرام في هذا المجال « 1 » . قال الجاحظ : ما لم يكن لدفع مضرّة لا يمكن أن تدفع إلّا به ، أو اجترار نفع لا غنى عنه ، ولا يتوصّل إليه إلّا به فإنّ الكذب عند ذلك ليس بمستقبح ، وإنّما يستقبح الكذب إذا كان عبثا ، أو لنفع يسير لا خطر له « 2 » . وقال الرّاغب : الكذب يكون قبيحا بثلاثة شرائط : الأوّل : أن يكون الخبر بخلاف المخبر عنه . الثّاني : أن يكون المخبر قد اختلقه قبل الإخبار به . الثّالث : أن يقصد إيراد ما في نفسه . قال : ولا يلزم على هذا أن يقال : جوّزوا الكذب فيما يرجى منه نفع دنيويّ ، فإنّ المنفعة الدّنيويّة ولو كانت ملك الدّنيا بحذافيرها - لا تعادل الضّرر الحاصل من أدنى كذب ، وإنّما يتصوّر ما قلناه في نفع أخرويّ يكون الإنسان فيه - عاجلا وآجلا - معذورا ، كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو يريد قتله . فيقول : هل فلان في دارك فتقول : لا فهذا يجوز ؛ لأنّ نفع هذا الكذب موف على ضرره وهو فيه معذور « 3 » . وقال الماورديّ : وردت السّنّة بإرخاص الكذب في الحرب وإصلاح ذات البين ، على درجة التّورية دون التّصريح به ؛ فإنّ السّنّة لا ترد بإباحة الكذب ؛ لما فيه من التّنفير ، وإنّما ذلك على طريق التّورية والتّعريض ، كما سئل صلّى اللّه عليه وسلّم : ممّن أنت ؟ قال : « من ماء » ؛ فورّى عن الإخبار بنسبه بأمر محتمل ، وكما في إجابة أبي بكر - رضي اللّه عنه - عندما سئل عن الرّسول الكريم فقال : هاد يهديني السّبيل ، فظنّوا أنّه يعني هداية الطّريق ، وهو إنّما يريد هداية سبيل الخير « 4 » .

دواعي الكذب وأماراته :

للكذب دواع تدعو إليه وأمارات تدلّ عليه ،
هامش
( 1 ) رياض الصالحين ( 459 ) . ( 2 ) تهذيب الأخلاق ( 32 ) . ( 3 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة ( 272 ) . ( 4 ) باختصار عن أدب الدنيا والدين ( 257 ) .