2 - * ( عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت :
لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين ، ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طرفي النّهار بكرة وعشيّة . فلمّا ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة حتّى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدّغنة ، وهو سيّد القارة ، فقال : أين تريد يا أبا بكر ؟ فقال أبو بكر :
أخرجني قومي ، فأنا أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربّي ، قال ابن الدّغنة : إنّ مثلك لا يخرج ولا يخرج ، فإنّك تكسب المعدوم ، وتصل الرّحم ، وتحمل الكلّ ، وتقري الضّيف ، وتعين على نوائب الحقّ ، وأنا لك جار . فارجع فاعبد ربّك ببلادك . فارتحل ابن الدّغنة فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفّار قريش فقال لهم : إنّ أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج ، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ، ويصل الرّحم ، ويحمل الكلّ ، ويقري الضّيف ، ويعين على نوائب الحقّ ؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدّغنة ، وآمنوا أبا بكر ، وقالوا لابن الدّغنة : مر أبا بكر فليعبد ربّه في داره ، فليصلّ وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ، ولا يستعلن به . فإنّا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا . قال ذلك ابن الدّغنة لأبي بكر . فطفق أبو بكر يعبد ربّه في داره ، ولا يستعلن بالصّلاة ولا القراءة في غير داره . ثمّ بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، وبرز ، فكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن ، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم ، يعجبون وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين ، فأرسلوا إلى ابن الدّغنة فقدم عليهم فقالوا له : إنّا كنّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربّه في داره ، وإنّه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره ، وأعلن الصّلاة والقراءة ، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا ، فأته ، فإن أحبّ أن يقتصر على أن يعبد ربّه في داره فعل ، وإن أبى إلّا أن يعلن ذلك فسله أن يردّ إليك ذمّتك ، فإنّا كرهنا أن نخفرك ، ولسنا مقرّين لأبي بكر الاستعلان . قالت عائشة : فأتى ابن الدّغنة أبا بكر ، فقال : قد علمت الّذي عقدت لك عليه ، فإمّا أن تقتصر على ذلك ، وإمّا أن تردّ إليّ ذمّتي ، فإنّي لا أحبّ أن تسمع العرب أنّي أخفرت في رجل عقدت له . قال أبو بكر : فإنّي أردّ إليك جوارك وأرضى بجوار اللّه - ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يومئذ بمكّة - فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : قد أريت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين - وهما الحرّتان - فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة وتجهّز أبو بكر مهاجرا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « على رسلك ، فإنّي أرجو أن يؤذن لي » ، قال أبو بكر : هل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال : « نعم » . فحبس أبو بكر نفسه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصحبه ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر أربعة أشهر ) * « 1 » .
3 - * ( سئلت عائشة - رضي اللّه عنها - عن
هامش
( 1 ) البخاري - الفتح 4 ( 2297 ) . ورد هذا الأثر شرحا لحديث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند هجرته بصحبة أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - « على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي » .