تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2475

مساهمون:

ص٢٤٧٥

مجالات الصدق :

قال ابن القيّم - رحمه اللّه - : والصّدق ثلاثة : قول وعمل وحال . فالصّدق في الأقوال : استواء اللّسان على الأقوال كاستواء السّنبلة على ساقها . والصّدق في الأعمال : استواء الأفعال على الأمر والمتابعة ، كاستواء الرّأس على الجسد . والصّدق في الأحوال : استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص . واستفراغ الوسع وبذل الطّاقة . فبذلك يكون العبد من الّذين جاءوا بالصّدق . وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صدّيقيّته . كما فعل أبو بكر - رضي اللّه تعالى عنه - « 1 » . وقد أخبر - سبحانه - أنّه أكرم عباده المتّقين بأن جعل لهم : مدخل صدق ومخرج صدق ولسان صدق وقدم صدق ومقعد صدق . وحقيقة الصّدق في هذه الأشياء هو الحقّ الثّابت المتّصل باللّه ، الموصل إلى اللّه . وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال . وجزاء ذلك في الدّنيا والآخرة « 2 » . قال الفيروز اباديّ : والصّدّيق : الرّجل الكثير الصّدق . وقيل : الصّدّيق : من لم يصدر منه الكذب أصلا . وقيل : من صدق بقوله واعتقاده ، وحقّق صدقه ، قال تعالى في حقّ إبراهيم :
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا
( مريم / 41 ) . فالصّدّيقون : قوم دون الأنبياء في الفضيلة ، ولكنّ درجتهم ثاني درجة النّبيّين . وفي الجملة ، منزلة الصّدق من أعظم منازل القوم ، الّذي نشأ منه جميع منازل السّالكين . وهو الطّريق الأقوم الّذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين . وبه تميّز أهل النّفاق من أهل الإيمان ، وسكّان الجنان من أهل النّيران . وهو سيف اللّه في أرضه الّذي ما وضع على شيء إلّا قطعه ، ولا واجه باطلا إلّا أزاله وصرعه . فهو روح الأعمال ، ومحلّ الأحوال ، والحامل على اقتحام الأهوال ، والباب الّذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال « 3 » .

الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إمام الصادقين :

لقد كانت حياته صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل مثال للإنسان الكامل الّذي اتّخذ من الصّدق في القول والأمانة في المعاملة خطّا ثابتا لا يحيد عنه قيد أنملة ، وقد كان ذلك فيه بمثابة السّجيّة والطّبع فعرف بذلك حتّى قبل البعثة ، وكان لذلك يلقّب بالصّادق الأمين ، واشتهر بهذا وعرف به بين أقرانه ، وقد اتّخذ صلّى اللّه عليه وسلّم من الصّدق الّذي اشتهر به بين أهله وعشيرته مدخلا إلى المجاهرة بالدّعوة ، إذ إنّه لمّا نزل قوله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
( الشعراء / 214 ) جمع أهله وسألهم عن مدى تصديقهم له إذا أخبرهم بأمر من الأمور ، فأجابوا بما عرفوا عنه قائلين : ما جرّبنا عليك إلّا
هامش
( 1 ) مدارج السالكين لابن القيم ( 2 / 281 ) . ( 2 ) المرجع السابق ( 2 / 282 ) . ( 3 ) بصائر ذوي التمييز ( 3 / 397 - 398 ) .