تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 2445

مساهمون:

ص٢٤٤٥
تدعو وهي تنزع « 1 » ، وقال عطاء والقرظيّ ( محمّد بن كعب ) : صابروا الوعد الّذي وعدتم ، أي لا تيأسوا وانتظروا الفرج . قال القرطبيّ - رحمه اللّه تعالى - والقول الأوّل ( أي قول زيد بن أسلم ) هو رأي الجمهور ، ومثله قول عنترة :
فلم أر حيّا صابروا مثل صبرنا * ولا كافحوا مثل الّذين نكافح
أي صابروا العدوّ في الحرب ، ولم يبد منهم جبن ولا خور « 2 » . وقال أبو حيّان : أمر اللّه تعالى بالصّبر والمصابرة والرّباط ، فقيل اصبروا وصابروا بمعنى واحد للتّوكيد « 3 » ، ثمّ ذكر الآراء الأخرى الّتي ذكرها القرطبيّ « 4 » ، وذكر ابن كثير - رحمه اللّه تعالى - أنّ الصّبر على الصّلوات ، والمصابرة على النّفس والهوى « 5 » . قلت : ولا تنافي بين هذه الأقوال جميعا لأنّ الصّيغة تحتملها معا ، وقد قرّر علماء الأصول « أنّ المعاني المحتملة ( للّفظ أو الصّيغة ) مرادة للّه تعالى « 6 » .

من مظاهر المصابرة :

ذكر ابن القيّم وغيره للمصابرة صورا عديدة ، وأشكالا متنوّعة ، ذكرناها فيما سبق ، ونضيف إليها : 1 - المثابرة في إنجاز الأعمال والمواظبة عليها ، طالما أنّ هذا العمل في طاعة اللّه تعالى ، وفي هذا يلتقي معنى الاصطبار مع المصابرة ، قال تعالى :
فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ
( مريم / 65 ) ، وقال تعالى
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها
( طه / 132 ) . 2 - متابعة الأعمال وعدم اليأس من إنجازها لما في هذا من إدامة للصّبر عليها ، وانتظار للفرج الموعود في قوله تعالى :
إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا
( الكهف / 30 ) « 7 » .

الصبر على الابتلاء :

الابتلاء في اللّغة مصدر قولهم : ابتلى اللّه العبد ابتلاء إذا اختبره في صبره وشكره « 8 » . أمّا في الاصطلاح فقد قال الكفويّ : الابتلاء في الأصل هو التّكليف بالأمر الشّاقّ لكنّه لمّا استلزم الاختبار إلى من يجهل العواقب ظنّ ترادفهما « 9 » ، وقال المناويّ : البلاء كالبليّة : الامتحان ، وسمّي الغمّ بلاء لأنّه يبلي الجسم « 10 » . وقال بعض الباحثين المحدثين : الابتلاء هو المظهر العمليّ لعلاقة العبوديّة بين اللّه والإنسان ، ومعنى هذه العلاقة كمال الطّاعة لكمال المحبّة ، والحياة الدّنيا هي الزّمن المقرّر لهذا الابتلاء ، قال تعالى :
الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ
( الملك / 2 ) « 11 » . وينقسم الابتلاء إلى قسمين : الأوّل : الابتلاء بالشّرّ ، وهو مناط الصّبر . الثّاني : الابتلاء بالخير ، وهو مناط الشّكر « 12 » . وفيما يتعلّق بالنّوع الأوّل ، فإنّه يشمل الابتلاء
هامش
( 1 ) يشير صاحب هذا الرأي إلى أن معنى المفاعلة هنا هو المداومة . ( 2 ) تفسير القرطبي ( 4 / 322 - 323 ) . ( 3 ) وهو يشير هنا إلى أن الصيغة تفيد معنى التكثير والمبالغة . ( 4 ) انظر تفسير البحر المحيط ( 3 / 156 ) . ( 5 ) تفسير ابن كثير ( 1 / 454 ) . ( 6 ) انظر في هذه القاعدة الأصولية الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ( 2 / 227 ) ، وانظر أيضا المبحث الخامس « المعاني المحتملة مرادة » من كتاب بحوث في علوم القرآن لعبد الغفور جعفر ( 205 - 229 ) . ( 7 ) قال في مختار الصحاح « المثابرة على الأمر : المواظبة عليه ، انظر مادة « ث ب ر » ( 83 ) ط . دار الكتب المصرية . ( 8 ) انظر في المعنى اللغوي للابتلاء : أحمد بن فارس ، مقاييس اللغة ( 1 / 292 ) ، وقارن بالصحاح ( 6 / 2284 ) . ( 9 ) معنى الترادف : هو أن يكون للابتلاء والاختبار المعنى نفسه . ( 10 ) التوقيف على مهمات التعاريف ( 83 ) . ( 11 ) ماجد الكيلاني ، فلسفة التربية الإسلامية ( 163 ) . ( 12 ) انظر صفة الشكر ( 2397 ) من هذا المجلد ، وقارن بصفة « تكريم الإنسان » ( / / 1135 ) .