تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 1738

مساهمون:

ص١٧٣٨
( 8 ) الخوف من العقوبة على الجواب ، ويبعث عليه ضعف النّفس وربّما أوجبه الرّأي واقتضاه الحزم وقد قيل : الحلم حجاب الآفات . وقال الشّاعر في هذا :
ارفق إذا خفت من ذي هفوة خرقا * ليس الحليم كمن في أمره خرق
( 9 ) الرّعاية ليد سالفة وحرمة لازمة : والباعث عليه الوفاء وحسن العهد . ( 10 ) المكر وتوقّع الفرص الخفيّة : ويبعث عليه الدّهاء ، وقد قال بعض الأدباء : غضب الجاهل في قوله ، وغضب العاقل في فعله . قال إياس بن قتادة :
تعاقب أيدينا ويحلم رأينا * ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
فهذه عشرة أسباب تدعو إلى الحلم ، وبعض الأسباب أفضل من بعض ، وإذا كان بعض أسبابه مفضولا ؛ فإنّ ذلك لا يقتضي أنّ نتيجته من الحلم مذمومة ، وإنّما الأولى بالإنسان أن يدعوه للحلم أفضل أسبابه ، وإن كان الحلم كلّه فضلا ، وإن عري الحلم عن أحد هذه الأسباب كان ذلّا ولم يكن حلما ، ولذلك قال الشّاعر :
من يدّعي الحلم أغضبه لتعرفه * لا يعرف الحلم إلّا ساعة الغضب
ومن أحكم أبيات في تدبير الحلم والغضب ما قال أبو حاتم :
إذا أمن الجهّال جهلك مرّة * فعرضك للجهّال غنم من الغنم
فعمّ عليه الحلم والجهل والقه * بمنزلة بين العداوة والسّلم
إذا أنت جاريت السّفيه كما جرى * فأنت سفيه مثله غير ذي حلم
ولا تعضبن عرض السّفيه وداره * بحلم فإن أعيا عليك فبالصّرم
فيرجوك تارات ويخشاك تارة * ويأخذ فيما بين ذلك بالحزم
فإن لم تجد بدّا من الجهل فاستعن * عليه بجهّال فذاك من العزم
وقال الماورديّ : وهذه من أحكم أبيات وجدتها في تدبير الحلم والغضب ، وهذا التّدبير إنّما يستعمل فيما لا يجد الإنسان بدّا من مقارفته ولا سبيل إلى اطّراحه ومتاركته ، إمّا لخوف شرّه ، أو للزوم أمره . وأمّا من أمكن اطّراحه ، ولم يضرّ إبعاده فالهوان به أولى ، والإعراض عنه أصوب ، وهو في هذه الحال استفاد بتحريك الغضب فضائله وأمن بكفّ نفسه عن الانقياد له ، وصار الحلم مدبّرا للأمور المغضبة ، بقدر لا يعتريه نقص بعدم الغضب ، ولا يلحقه زيادة بفقد الحلم ولو عزب عنه الحلم حتّى انقاد لغضبه ضلّ عنه وجه الصّواب فيه ، وضعف رأيه عن خبرة أسبابه ودواعيه حتّى يصير بليد الرّأي مغمور الرّويّة مقطوع الحجّة مسلوب العزاء ، قليل الحيلة مع ما يناله من أثر ذلك في نفسه وجسده حتّى يصير أضرّ عليه ممّا غضب له ، فينبغي لذي اللّبّ السّويّ والحزم القويّ أن يتلقّى قوّة الغضب بحلمه فيصدّها ، ويقابل دواعي