وفسّر بالتّقوى ، وفسّر بالعمل الّذي يقرّب إلى اللّه ، والجميع حقّ ، فقد روي مرفوعا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه فسّر البرّ بالإيمان وجاء في الأثر أنّ رجلا جاء إلى أبي ذرّ فسأله عن الإيمان فقرأ الآية السّابقة
لَيْسَ الْبِرَّ . . .
إلخ الآية فقال الرّجل : ليس عن البرّ سألتك ، فقال ( أبو ذرّ ) : جاء رجل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فسأله عن الّذي سألتني عنه ، فقرأ الّذي قرأت عليك ، فقال له الّذي قلت لي ، فلمّا أبى أن يرضى قال له : إنّ المؤمن الّذي إذا عمل الحسنة سرّته ، ورجا ثوابها ، وإذا عمل السّيّئة ساءته وخاف عقابها « 1 » . والرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يشير في هذا الحديث إلى ما يسبّبه فعل الحسنة أو الخير من إحساس نفسيّ بالسّعادة ، وما يعقبه من راحة قلبيّة غامرة ، الأمر الّذي يعكس بدوره فاعليّة الإيمان - وكذلك البرّ الّذي بمعناه - في تنمية قوّة الشّعور بالالتزام الخلقيّ تجاه عمل الخير ، كما ترى أبعاد هذا الشّعور لدى النّفس المؤمنة ، حتّى إذا ما عمل هذا المؤمن عملا خلقيّا فاضلا ، ظهرت عليه الآثار النّفسيّة النّاتجة عن إنجاز ذلك العمل من سرور وسكينة ، والأمر بالعكس بالنّسبة لفعل السّيّئة أو الشّرّ ، لأنّ الأصداء النّفسيّة الّتي يسبّبها تراخي قبضة الإلزام الخلقيّ ، والتّهاون فيه ، تظهر سماتها في مظاهر الحزن والهمّ والقلق الّتي تبدو لدى المؤمن « 2 » .
أنواع البرّ :
والبرّ نوعان : صلة ، ومعروف .
فأمّا الصّلة : فهي التّبرّع ببذل المال في الجهات المحدودة لغير عوض مطلوب ، وهذا يبعث عليه سماحة النّفس وسخاؤها ، ويمنع منه شحّها وإباؤها قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( الحشر / 9 ) .
وأمّا النّوع الثّاني من البرّ فهو : المعروف : ويتنوّع أيضا نوعين : قولا وعملا . فأمّا القول : فهو طيب الكلام وحسن البشر ، والتّودّد بجميل القول ، وهذا يبعث عليه حسن الخلق ، ورقّة الطّبع ، ويجب أن يكون محدودا كالسّخاء ؛ فإنّه إن أسرف فيه كان ملقا مذموما وإن توسّط واقتصد فيه كان معروفا وبرّا محمودا .
وأمّا العمل : فهو بذل الجاه والمساعدة بالنّفس والمعونة في النّائبة ، وهذا يبعث عليه حبّ الخير للنّاس وإيثار الصّلاح لهم ، وليس في هذه الأمور سرف ولا لغايتها حدّ بخلاف النّوع الأوّل ؛ لأنّها وإن كثرت فهي أفعال خير تعود بنفعين : نفع على فاعلها في اكتساب الأجر وجميل الذّكر ، ونفع على المعان بها في التّخفيف عنه والمساعدة له « 3 » .
وجوه استعمال البر في القرآن الكريم :
ورد البرّ في القرآن الكريم على أوجه منها :
أوّلا : البرّ بالفتح أربعة :
الأوّل : بمعنى الصّادق جلّ اسمه وعلا :
إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ
( الطور / 28 مكية ) .
هامش
( 1 ) الفتاوى 7 / 181 .
( 2 ) النظرية الخلقية عند ابن تيمية لمحمد عبد اللّه عفيفي ص 91 - 92 .
( 3 ) أدب الدنيا والدين للماوردي ( 184 و 200 - 215 ) .