تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
بحذافيره في الجنّة ، وجعل الخبيث بحذافيره في النّار ، فجعل الدّور ثلاثة : دارا أخلصت للطّيّبين ، وهي حرام على غير الطّيّبين ، وقد جمعت كلّ طيّب وهي الجنّة ، ودارا أخلصت للخبيث والخبائث ، ولا يدخلها إلّا الخبيثون وهي النّار ، ودارا امتزج فيها الطّيّب والخبيث وخلط بينهما ، وهي هذه الدّار ، ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط ، وذلك بموجب الحكمة الإلهيّة ، فإذا كان يوم معاد الخليقة ، ميّز اللّه الخبيث منالطّيّب ، فجعل الطّيّب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم ، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم ، فعاد الأمر إلى دارين فقط : الجنّة وهي دار الطّيّبين ، والنّار ، وهي دار الخبيثين ، وأنشأ اللّه تعالى من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيّبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذّاتهم ، أنشأ لهم منها أكمل أسباب النّعيم والسّرور ، وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم ، فأنشأ لهم منها أعظم أسباب العقاب والآلام ، حكمة بالغة ، وعزّة باهرة قاهرة ، ليري عباده كمال ربوبيّته ، وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته ، وليعلم أعداؤه أنّهم كانوا هم المفترين الكذّابين ، لا رسله البررة الصّادقون . قال اللّه تعالى :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ
( النحل / 38 - 39 ) والمقصود أنّ اللّه - سبحانه وتعالى - جعل للسّعادة والشّقاوة عنوانا يعرفان به ، فالسّعيد الطّيّب لا يليق به إلّا طيّب ، ولا يأتي إلّا طيّبا ولا يصدر منه إلّا طيّب ، ولا يلابس إلّا طيّبا ، والشّقيّ الخبيث لا يليق به إلّا الخبيث ، ولا يأتي إلّا خبيثا ، ولا يصدر منه إلّا الخبيث ، فالخبيث يتفجّر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه ، والطّيّب يتفجّر من قلبه الطّيب على لسانه وجوارحه . وقد يكون في الشّخص مادّتان ، فأيّهما غلب عليه كان من أهلها فإن أراد اللّه به خيرا طهّره من المادّة الخبيثة قبل الموافاة . فيوافيه يوم القيامة مطهّرا ، فلا يحتاج إلى تطهيره بالنّار ، فيطّهّر منها بما يوفّقه له من التّوبة النّصوح ، والحسنات الماحية ، والمصائب المكفّرة ، حتّى يلقى اللّه وما عليه خطيئة ، ويمسك عن الآخر موادّ التّطهير ، فيلقاه يوم القيامة بمادّة خبيثة ، ومادّة طيّبة وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه ، فيدخله النّار طهرة له وتصفية وسبكا ، فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث ، صلح حينئذ لجواره ، ومساكنة الطّيّبين من عباده . وإقامة هذا النّوع من النّاس في النّار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها ، فأسرعهم زوالا وتطهيرا أسرعهم خروجا ، وأبطؤهم أبطؤهم خروجا ، جزاء وفاقا ، وما ربّك بظلّام للعبيد . ولمّا كان المشرك خبيث العنصر ، خبيث الذّات ، لم تطهّر النّار خبثه ، بل لو خرج منها لعاد خبيثا كما كان كالكلب إذا دخل البحر ، ثمّ خرج منه ، فلذلك حرّم - اللّه تعالى - على المشرك الجنّة . ولمّا كان المؤمن الطّيّب المطيّب مبرّءا من