تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
المروة سمعت صوتا فقالت : صه « 1 » - تريد نفسها - ثمّ تسمّعت أيضا فقالت : قد أسمعت ، إن كان عندك غواث ، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتّى ظهر الماء ، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف . قال ابن عبّاس : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « يرحم اللّه أمّ إسماعيل لو تركت زمزم » أو قال : « لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا » . قال : فشربت وأرضعت ولدها ، فقال لها الملك : لا تخافوا الضّيعة ؛ فإنّ ههنا بيت اللّه يبني هذا الغلام وأبوه ، وإنّ اللّه لا يضيّع أهله . وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرّابية ، تأتيه السّيول فتأخذ عن يمينه وشماله ، فكانت كذلك حتّى مرّت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء « 2 » ، فنزلوا في أسفل مكّة ، فرأوا طائرا عائفا ، فقالوا : إنّ هذا الطّائر ليدور على ماء ، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جريّا « 3 » أو جريّين فإذا هم بالماء ، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا - قال وأمّ إسماعيل عند الماء - فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندك ؟ فقالت : نعم ، ولكن لا حقّ لكم في الماء . قالوا : نعم . قال ابن عبّاس : قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « فألفى « 4 » ذلك أمّ إسماعيل - وهي تحبّ الأنس » - فنزلوا ، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم ، حتّى إذا كان بها أهل أبيات منهم ، وشبّ الغلام وتعلّم العربيّة منهم ، وأنفسهم « 5 » وأعجبهم حين شبّ ، فلمّا أدرك زوّجوه امرأة منهم . وماتت أمّ إسماعيل ، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل يطالع تركته ، فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه فقالت : خرج يبتغي لنا ، ثمّ سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بشرّ ، نحن في ضيق وشدّة . فشكت إليه . قال : فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السّلام وقولي له يغيّر عتبة بابه . فلمّا جاء إسماعيل كأنّه آنس شيئا ، فقال : هل جاءكم من أحد ؟ قالت : نعم . جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألنا عنك فأخبرته ، وسألني كيف عيشنا ، فأخبرته أنّا في جهد وشدّة . قال : فهل أوصاك بشيء ؟ قالت : نعم . أمرني أن أقرأ عليك السّلام ، ويقول : غيّر عتبة بابك . قال : ذاك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك ، الحقي بأهلك . فطلّقها ، وتزوّج منهم أخرى . فلبث عنهم إبراهيم ما شاء اللّه ، ثمّ أتاهم بعد فلم يجده ، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت : خرج يبتغي لنا . قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم . فقالت : نحن بخير وسعة ، وأثنت على اللّه - عزّ وجلّ - قال : ما طعامكم ؟ قالت : اللّحم . قال : فما شرابكم ؟ قالت : الماء . قال : اللّهمّ بارك لهم في اللّحم والماء . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولم يكن
هامش
( 1 ) صه : اسم فعل أي بمعنى اسكت وكأنها تطلب من نفسها الإنصات حتى تعلم مصدر الصوت . ( 2 ) كداء بفتح الكاف ممدود : هو الموضع الذي دخل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مكة منه . ( 3 ) جريّ - كغني - الوكيل والرسول : قال ابن حجر : سمي بذلك لأنه يجري مجرى موكله أو مرسله . ينظر : القاموس المحيط وفتح الباري ( 6 / 464 ) . ( 4 ) فألفى : قال ابن حجر : فألفى ذلك : أي وجد أمّ إسماعيل بالنصب على المفعولية وهي تحب الأنس بضم الهمزة ضد الوحشة ويجوز الكسر أي تحب جنسها . فتح الباري ج 6 ص 464 . ( 5 ) أنفسهم : بلفظ أفعل التفضيل من النفاسة أي أنه أكثرهم نفاسة وشرفا ولذلك أعجبهم فكثرت رغبتهم فيه فزوجوه منهم .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 424 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح