يرهب الإنسان القوّة ويحترم البطولة . وتأخذ المعاني الرّائعة بجماع قلبه وتسري إلى فؤاده فتوقظ مشاعره وتتفتّح أمامه معاني الحقّ ، ويسهل عليه اتّباعه ، وأعلى درجات القوّة قوّة الحقّ والدّعوة إليه والصّبر في سبيله . ولولا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القريبون منه ، ولولا هؤلاء لما كان من بعدهم من النّاس ، ولولا الفتح لما دخل النّاس في دين اللّه أفواجا ، وليس شيء من هذا مادّيّا ، ولكنّ القوّة المادّيّة تخضع في النّهاية لقوّة الحقّ . لقد تمّ الإصلاح الّذي تمّ ببعثة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي غيّر صفحة التّاريخ . لقد تمّ ذلك بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا العنصر العمليّ التّنفيذيّ ، وكان الوحي العنصر الأوّل الّذي كان يتلقّاه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من خالق الأرض والسّماء ويبلّغه أصحابه . كان الوحي داعيا إلى كسر أغلال الجاهليّة ، وكان الوسيلة القويّة إلى ذلك محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه الّذين كانوا نماذج الحقّ والقوّة الّتي حطّمت الأغلال وأهابت بالنّاس أن يخرجوا أنفسهم من القيود الجائرة .
وليس للمسلمين من سبيل إلّا هذا السّبيل ، طليعة تتأسّى خطوات محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه شبرا بشبر وذراعا بذراع في كلّ ظاهرة وخفيّة وفي كلّ دقيقة وجليلة ، في العبادة والتّفكير والحرب والتّدبير والسّياسة والدّعوة والجرأة والحكمة :
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
( الأنعام / 153 ) ولا يصلح آخر هذه الأمّة إلّا بما صلح عليه أوّلها . إنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم لم يعمد إلى إصلاح اقتصاديّ أو أخلاقيّ أو صحّيّ أو سياسيّ أو إداريّ أو علميّ ، ولكنّه عمد إلى إصلاح الإيمان ، ودعا بدعوة التّوحيد ، فكان من بعد ذلك كلّ إصلاح وكلّ قوّة وكلّ خير .
فرجل العقيدة هو السّبيل الوحيد لعلاج أنواع الانحرافات ، ورجل العقيدة أعظم ذخر نقدّمه للعقيدة وأكبر رصيد نعدّه في سبيل نصرتها « 1 » .
أنواع الأسوة :
ذكر الشّيخ صالح بن حميد أنّ الأسوة نوعان حسنة وسيّئة ، فالحسنة الاقتداء بأهل الخير والفضل والصّلاح في كلّ ما يتعلّق بمعالي الأمور وفضائلها .
والسّيّئة : تعني السّير في المسالك المذمومة واتّباع أهل السّوء والاقتداء من غير حجّة أو برهان « 2 » .
أهمية القدوة الحسنة :
وهي تكمن في الأمور الآتية :
1 - المثال الحيّ المرتقي في درجات الكمال ، يثير في نفس البصير العامل قدرا كبيرا من الاستحسان والإعجاب والتّقدير والمحبّة .
2 - القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بأنّ بلوغ هذه الفضائل من الأمور المختلفة .
هامش
( 1 ) مقتطفات من كتاب المسؤولية للشيخ محمد أمين المصري ( 37 - 40 ) .
( 2 ) مبادئ ونماذج في القدوة للشيخ صالح بن حميد ( 5 ، 6 ) بتصرف .