تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
سفر ، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين . ثمّ جلس للنّاس ، فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون ، فطفقوا يتعذّرون إليه ، ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا . فقبل منهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم علانيتهم ، وبايعهم واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه ، حتّى جئت ، فلمّا سلّمت ، تبسّم تبسّم المغضب ، ثمّ قال : « تعال » . فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه . فقال لي : « ما خلّفك ؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك « 1 » ؟ » . قال قلت : يا رسول اللّه ! إنّي ، واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا ، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر . ولقد أعطيت جدلا « 2 » . ولكنّي ، واللّه لقد علمت ، لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ، ليوشكنّ اللّه أن يسخطك عليّ . ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه « 3 » ، إنّي لأرجو فيه عقبى اللّه . واللّه ما كان لي عذر . واللّه ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أمّا هذا ، فقد صدق . فقم حتّى يقضي اللّه فيك » . فقمت . وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني ، فقالوا لي : واللّه ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما اعتذر به إليه المخلّفون ، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لك . قال : فواللّه ما زالوا يؤنّبونني حتّى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأكذّب نفسي . قال : ثمّ قلت لهم : هل لقي هذا معي من أحد ؟ . قالوا : نعم . لقيه معك رجلان . قالا مثل ما قلت . فقيل لهما مثل ما قيل لك . قال قلت : من هما ؟ . قالوا : مرارة بن ربيعة العامريّ ، وهلال بن أميّة الواقفيّ . قال : فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا ، فيهما أسوة . قال : فمضيت حين ذكروهما لي . قال : ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين عن كلامنا ، أيّها الثّلاثة ، من بين من تخلّف عنه . قال : فاجتنبنا النّاس . وقال : تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض الّتي أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأمّا صاحباي ، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم . فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد . وآتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأسلّم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصّلاة . فأقول في نفسي : هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا ؟ . ثمّ أصلّي قريبا منه وأسارقه النّظر . فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي . حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين ، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة « 4 » ، وهو ابن عمّي ، وأحبّ النّاس إليّ . فسلّمت عليه . فواللّه ما ردّ عليّ السّلام . فقلت له : يا أبا قتادة ! أنشدك باللّه « 5 » هل تعلمنّ أنّي
هامش
( 1 ) ابتعت ظهرك : أي اشتريت مركبا تركبه . ( 2 ) جدلا : أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة . ( 3 ) تجد عليّ فيه : أي تغضب . ( 4 ) تسوّرت جدار حائط أبي قتادة : أي علوته وصعدت سوره . ( 5 ) أنشدك باللّه : أي أسألك باللّه .