تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
انبرى يخاطب الجيش مشجعا على قتال العدو قائلا : « يا قوم ، واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون : الشهادة . وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ولا نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور وإما شهادة » فقال الناس « قد واللّه صدق ابن أبي رواحة » وأحدثت عباراته الإيمانية الواثقة بقضاء اللّه وقدره أثرها في نفوس المسلمين « 1 » . أصدر زيد بن حارثة أمره لقواته بالتقدم نحو قوات العدو متخذا من قرية مؤتة مقرّا لقواته التي عبأها فجعل على ميمنته قطبة بن قتادة العذري ، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري ، والتقى الجيشان غير المتكافئين في عددهم وعدتهم ، وكانت ملحمة بطولية خالدة سجل فيها المجاهدون وقادتهم الثلاثة بطولات وجرأة وثباتا نادرا غير أنها انتهت باستشهاد القادة واحدا تلو الآخر « 2 » ، واختار المسلمون - حسب توجيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قائدا بديلا ، هو خالد بن الوليد الذي كان يدرك خطورة الوضع ، فأعاد تنظيم الجيش ، وأوهم العدو بوصول الإمدادات مما مكنه من اهتبال الفرصة للقيام بانسحاب منظم لم يخسر فيه إلا عددا محدودا من قواته ، وبذلك أنقذ الجيش الإسلامي من خطر الإبادة الكاملة أمام جموع العدو الهائلة « 3 » ، ويعتبر هذا الإنجاز فتحا كبيرا عند مقارنة خسارة المسلمين المحدودة بما يقابلها من خسائر الروم الذين أثخنت قواتهم بأعداد كبيرة من القتلى والجرحى . ولا شك في أن بسالة المقاتل المسلم وشجاعته النادرة وحرصه على الموت في سبيل اللّه ، إلى جانب عبقرية خالد العسكرية ونظراته الثاقبة ، وقدرته على المناورة ، وذكائه ، وفطنته قد مكنت المسلمين من التخلص من مأزقهم أمام الجيش البيزنطي . وقد ظهرت معجزة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر هذه السرية فقد نعى للمسلمين في المدينة زيدا وجعفرا وابن أبي رواحة ، قبل أن يصل إليه خبرهم ، وحزن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما وقع للسرية وذرفت عيناه الدموع . ثم أخبرهم باستلام خالد للراية ، وبشرهم بالفتح على يديه وأسماه سيف اللّه « 4 » ، وبعد ذلك قدم من أخبرهم بأخبار السرية ، ولم يزد عما أخبرهم به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « 5 » ، وكان لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند اللّه لذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما يسرّني أو قال ما يسرّهم أنّهم عندنا » « 6 » .
هامش
( 1 ) ابن هشام - السيرة 3 / 435 - 442 . ( 2 ) المرجع السابق 3 / 442 - 447 ، ولم يسند ابن إسحاق من قصة الوقعة سوى خبر عقر جعفر بن أبي طالب لفرسه ونزوله للمعركة راجلا ، وخبرين أولهما عن تردد عبد اللّه بن رواحة وثانيهما عن تصميمه وإقدامه وهي بأسانيد حسنة فيها ذكر لصحابي مجهول . ( 3 ) المرجع السابق 3 / 447 ، ابن حزم - جوامع السيرة ص / 222 . ( 4 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 512 حديث 6262 ، 6263 ) . ( 5 ) جاء بأخبار الغزوة إلى المدينة يعلى بن أمية ، كما في رواية موسى بن عقبة : انظر ابن كثير - البداية والنهاية 4 / 275 ، ابن حجر - فتح 7 / 512 في شرح الحديث ( 6262 ) ، وأورد ابن حجر كذلك رواية أخرى تجعله ( عامر الأشعري ) وهي من رواية الطبراني . عنده . ( 6 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري - 6 / 135 حديث 3063 ) .