وقد قاربت بعض قصائد المدح النبوي نظم السيرة شعرا ، إضافة إلى المنظومات التعليمية ، التي حاول أصحابها أن يذكروا كل شيء من السيرة ، وهم يريدون أن يسهّلوا حفظها على الناس ، ومن ذلك نظم السيرة للعراقي ، ومنها قوله :
وهو الذي آمن بعد ثانيا * وكان برّا صادقا مواتيا « 1 »
وقول أحدهم في الألفية ، وهذا يعني أنها منظومة للسيرة في ألف بيت :
فالستّة الباقون فالبدريّة * فأحد فالبيعة المرضيّة « 2 »
إن قصائد المدح النبوي تعبّر عن روح التغيير في الشعر العربي ، التي كانت موجودة عند الشعراء ، لكن التعبير عن هذه الروح استسلم للحدود المرسومة للشعر العربي ، وهي الشكل الخارجي للقصيدة العربية من الوزن والقافية ، ومن هنا لم تكن ملامح الملحمة على وضوحها عند غير العرب .
فإرادة التجديد في المضمون وطريقة الأداء لم تتجسد في شكل جديد ، وإنما قسرت على التجسّد بالشكل التقليدي ، ولو لم يلتفت شعراء المدح النبوي إلى الشكلية ، والإغراق في فنونها ، لكان لقصائدهم شأن آخر ، ولو قيّد لهذا الفن بعد البوصيري والصرصري شعراء عظام ، لكان لأثره في الأدب العربي موقع آخر .
ولو أردنا إيراد شيء من أمثلة قصائد المدح النبوي الطويلة التي ضارعت الملاحم ، لوجدنا قصائد كثيرة ، تجاوزت في طولها مئات الأبيات ، بعضها لم يخرج عن السرد والتعداد ، وكان أقرب إلى المنظومات التعليمية وبعضها حمل الحس الملحمي ، مثل قصائد البوصيري ، البردة المشهورة ، وإن لم تصل إلى طول غيرها ، والهمزية التي تجاوزت الأربع مئة بيت ، وهي أقرب قصائد المدح النبوي إلى فن الملاحم ، فهو يستهلها
هامش
( 1 ) شرح الزرقاني 7 / 27 .
( 2 ) المصدر نفسه 7 / 39 .