أصعب ، وتتطلب مهارة وحنكة ، فابن حجر قدّم لإحدى مدائحه النبوية بأبيات هي خليط من الغزل وعتاب النفس ، أظهر فيها وجده وهيامه ، وعذابه في الحب ، فجعل خلاصه من آلام الحب وعذابه في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقال :
بيني وبينك في المحبّة نسبة * فاحفظ عهود تغزّل ونسيب
واللّه مالي من هواك تخلّص * إلّا بمدح المصطفى المحبوب « 1 »
وأظهر الشرف الأنصاري مقدرة ومهارة حين انتهى إلى وصف محاسن محبوبته في مقدمة مدحة نبوية ، فجعل التعجب منها مخلصا إلى المدح النبوي ، فقال :
غصن نقا حلّ عقد صبري * بلين خصر يكاد يعقد
فمن رأى ذلك الوشاح الص * صائم صلّى على محمّد « 2 »
فالصلاة على النبي تقال عادة عند رؤية شيء يحوز الإعجاب ، فيدعو مشاهده لحفظه وصونه ، ويصلّي على النبي . التقط الشاعر هذه العادة ، وجعلها مخلصا له من وصف محاسن محبوبته إلى مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
فمظاهر القصيدة المدحية في الشعر العربي جميعها توفرت في شكل قصائد المدح النبوي ، وهذا أمر طبيعي ، لأن المدائح النبوية ليست من صنع شاعر واحد ، وليست من إبداع قطر واحد ، وليست من إنتاج زمن واحد ، بل هي مما أبدعته قرائح شعراء لا يعلم عددهم إلا اللّه تعالى ، ومن الأقطار الإسلامية المختلفة ، ومن عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى نهاية العصر المملوكي الذي ندرس المدائح النبوية فيه ، واستمرت بعد ذلك إلى يومنا هذا ، ولذلك كان لا بد من أن يتنوع شكل القصيدة المدحية ، وأن تتمثل فيه جميع المظاهر والتطورات التي ألّمت بقصيدة المدح العربية .
هامش
( 1 ) المجموعة النبهانية : 1 / 458 .
( 2 ) ديوان الشرف الأنصاري : ص 147 .