أنت المبوّأ من ذؤابة هاشم * شرفا أناف على الكواكب طولا
بك كرّم اللّه الجدود وطهّر ال * آباء إذ ولدوك جيلا جيلا « 1 »
فأين ذلك كله ممّن يعتزون بنسبهم ، ويرفعون من قيمته ، ويتباهون به على غيرهم ؟
لقد وجد شعراء المدائح النبوية أنفسهم أمام بحر من الفضائل والمكرمات ، فأخذوا يغترفون منه كيفما شاؤوا فلا يستطيعون لفضائله حصرا ، ولا يجدون لمكرماته نفادا ، فهو لا يدانى في حسبه ونسبه ، ولا يدانى في كرمه أو كما قال البرعي :
أعزّ الورى أصلا وفعلا ومنشأ * وأعلى وأسمى في الفخار وأحسب
وأحسن خلق اللّه خلقا وخلقة * وأطولهم في الجود باعا وأرحب « 2 »
ونرى في مثل هذه الأشعار أن مدّاح النبي قرنوا كرمه الذي لا يجارى بشجاعته النادرة ، وصلابته في الحق ، فهو شاف لكل أدواء مجتمعه ، يخلّص الناس ممّا ينغّص حياتهم ، وينتقص من إنسانيتهم ، وهو :
متمكّن الأخلاق إلّا أنّه * في الحكم يرضى للإله وبغضب
يشفي الصّدور كلامه فدواؤه * طورا يمرّ لها وطورا يعذب « 3 »
وهو إلى جانب عزته ومقدرته وسطوته ، حليم رؤوف ، يغفر الزلات ، ويحلم عن المخطئين بحقه ، لأن الحلم من طبعه الذي خلق عليه ، وفي ذلك قال ابن جابر « 4 » :
هامش
( 1 ) الشهاب محمود : أهنى المنائح ص 9 .
( 2 ) ديوان البرعي : ص 216 .
( 3 ) ديوان البوصيري : ص 91 .
( 4 ) ابن جابر ، محمد بن أحمد بن علي الأندلسي ، رحل إلى المشرق وطاف فيه . كان شاعرا أعمى كثير النظم ، عالما بالعربية والقرآن والحديث والفقه ، له كثير من المؤلفات في اللغة والنحو وديوان شعر ، توفي سنة ( 780 ه ) . الصفدي : نكت الهميان ص 244 .